أعاد قرار أميركي جديد السماح بتقديم الحليب كامل الدسم وحليب 2% في المدارس، فتح نقاش قديم حول دور دهون الحليب في صحة الأطفال. فبعد سنوات من الاكتفاء بالحليب الخالي من الدسم أو القليل الدسم ضمن برنامج الوجبات المدرسية الوطني، وُقّع قانون يُتيح عودة الخيارات الأعلى دهوناً، في خطوة تندرج ضمن توجّه رسمي أوسع لإعادة النظر في الموقف من الدهون المشبّعة.
هذا الجدل ليس جديداً. فمنذ عام 2012، فُرضت قيود على نوعية الحليب المقدَّم في المدارس بهدف الحدّ من السمنة وأمراض القلب لدى الأطفال. لكن في السنوات الأخيرة، برزت أصوات سياسية وصحية، من بينها وزير الصحة الأميركي، تدعو إلى إعادة الاعتبار للحليب كامل الدسم، مستندةً إلى غياب أدلة قاطعة على ضرره، وإلى احتمال أن يُشجّع الأطفال على شرب كمّيات أكبر من الحليب والاستفادة من عناصره الغذائية.
نسبة الدهون محور الخلاف
لا خلاف بين الخبراء على أنّ الحليب مصدر أساسي للبروتين والكالسيوم والبوتاسيوم وفيتامين D، لذلك توصي الهيئات الصحية بتناوله يومياً بكمّيات محدّدة بحسب العمر. الخلاف يتمحور حول نسبة الدهون. فالإرشادات الغذائية الأميركية منذ التسعينات شجّعت الأطفال فوق سنّ الثانية على استهلاك الحليب القليل أو الخالي من الدسم لتقليل الدهون المشبّعة، وهو توجّه دعمته جمعيات طبية كبرى.
من منظور غذائي بحت، يوفّر الحليب القليل الدسم القِيَم الغذائية عينها تقريباً الموجودة في الحليب كامل الدسم، لكن مع سعرات حرارية أقل ودهون مشبّعة أدنى. وتشير أبحاث كثيرة إلى أنّ الإفراط في الدهون المشبّعة قد يرفع الكوليسترول ويزيد مخاطر أمراض القلب على المدى الطويل، فضلاً عن ارتباط السعرات الزائدة بزيادة الوزن. فكوب واحد من الحليب كامل الدسم يحتوي على سعرات أعلى بنحو 80% مقارنةً بالحليب الخالي من الدسم.
لا دليل حاسماً لسبب السمنة
في المقابل، لا تُظهر الدراسات الحالية دليلاً حاسماً على أنّ شرب الحليب كامل الدسم يُسبِّب السمنة لدى الأطفال. بل إنّ بعض الدراسات الرصدية وجدت أنّ الأطفال الذين يستهلكونه كانوا أقل عرضة لزيادة الوزن. كما أنّ تجارب سريرية محدودة لم تُسجِّل فروقاً واضحة في الوزن بين الأطفال الذين شربوا حليباً كاملاً وآخرين تناولوا حليباً قليل الدسم. غير أنّ معظم هذه الأبحاث تبقى غير حاسمة، لكونها لا تُثبت علاقة سببية مباشرة.
عملياً، يعتمد الخيار الأفضل على حالة الطفل الصحية. فالأطفال الذين يعانون زيادة كبيرة في الوزن قد يكون الحليب القليل الدسم أنسب لهم، بينما قد يستفيد الأطفال النحيفون من الحليب الأعلى دهوناً. وفي جميع الأحوال، يبقى الحليب غير المحلّى والمبستر خياراً مقبولاً لمعظم الأطفال، مع ضرورة تجنّب الحليب غير المبستر لما يحمله من مخاطر صحية.
في ظل تراجع استهلاك الحليب وازدياد الاعتماد على المشروبات المحلّاة، يرى بعض الخبراء أنّ السماح بخيارات أوسع في المدارس قد يساعد في إعادة الحليب إلى الواجهة الغذائية للأطفال. لكنّ آخرين يعتقدون أنّ تحسين صحة الأطفال كان يتطلّب خطوة أكثر جرأة، كمنع الحليب المنكّه الغني بالسكّر، وهو إجراء تدعمه الأدلة العلمية بشكل أوضح.