ليست التعيينات الإدارية مجرّد ملف إداري دوري يُعرض على مجلس الوزراء لملء الشواغر، بل تحوّلت خلال العقدَين أو الثلاثة الأخيرة إلى أزمة مزمنة ترهق الدولة، تُضعف الإدارة، وتُقوّض الثقة العامة بالمؤسسات. لم تعُد التعيينات تخضع لمنطق الكفاءة والاستحقاق الذي كرّسته المادة 12 من الدستور، بل باتت في معظمها أسيرة الزبائنية والمحاصصة. وبدل أن تكون التعيينات حقاً متاحاً للبنانيِّين على أساس الجدارة وحدها، ومدخلاً إلى انتظام العمل العام، أصبحت سبباً إضافياً في تعطيله، نتيجة اضطراب المعايير وتغييب الآليات، في خروج صريح على القاعدة الدستورية.
1- من الآلية إلى الإستنسابية
عرف لبنان خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب، خصوصاً مع إنشاء مجلس الخدمة المدنية، أصولاً واضحة للتعيين في الوظيفة العامة، قوامها المباراة، الكفاءة، المساواة بين المرشحّين، وخضوع الإدارة لمبدأ المشروعية. وأوصلت هذه الآلية رجال دولة إلى مواقع القرار في حاكمية المصرف المركزي، والمدراء العامّين للوزارات المختلفة وسائر المراكز الإدارية. غير أنّ هذه الأصول تآكلت تدريجاً ما بعد 1992، بفعل تعيينات لم تراعِ القواعد الحقوقية.
وحتى المحاولات التي جرت لوضع «آليات» للتعيين، كما في فترة رئاسة الرئيس فؤاد السنيورة للحكومة، بقِيَت من دون جدوى. لجان درست، ملفات جُمِعت، مقابلات أُجرِيَت مع المرشحين، واقتراحات تحترم المعايير. لكنّ النتائج سقطت عند أول امتحان سياسي، حين «لم تُعجِب» الأسماء مجلس الوزراء، لا لقصور في كفاءتها، بل لأنّها لا تنتمي إلى شبكات الزبائنية المطلوبة. هنا تكمن المعضلة: الآلية وُجدت شكلياً، لكنّها أُفرِغت من مضمونها، لأنّ القرار الحقيقي بقي زبائنياً، لا إدارياً-معيارياً.
2- تبريرات تُفاقم الأزمة لا تحلّها
الأخطر من غياب الآلية، هو شيوع خطاب يُبرّر هذا الغياب أو التغييب المتعمّد. حين يُقال إنّ «تلفزيون لبنان شركة خاصة وتعييناته لا تخضع للآلية الإدارية» (26/3/2025)، نكون أمام منطق يُنكِر جوهر الوظيفة العامة، حتى عندما تُدار عبر مؤسسات ذات طابع خاص. السؤال البديهي يفرض نفسه: هل يقبل أي مسؤول، في شركته الخاصة فعلاً، أن يُعيِّن الأقل كفاءة متى توافرت أمامه ملفات متفاوتة المستوى؟ أم أنّ الكفاءة تبقى، في الواقع، معياراً لا غنى عنه؟
ينسحب الأمر نفسه على التذرّع بأنّ «القانون لا يمنع تعيين المدّعى عليهم في وظائف عامة» (15/1/2026). صحيح أنّ قرينة البراءة présomption d’innocence مبدأ قانوني، لكنّ الوظيفة العامة ليست مجرّد حق شخصي، بل أمانة وموقع ثقة. هل يأتمن المسؤول نفسه شخصاً مدّعى عليه في قضايا خطيرة على ماله الخاص أو شؤونه اليومية؟ وإذا كان الجواب لا، فكيف يُقبَل ما يُرفض في الخاص داخل الشأن العام؟
3- رأي عام حساس وبوصلة مفقودة
لا يمكن التجاهل أنّ الرأي العام اللبناني يتداول بأنّ معظم التعيينات لم تكن موفّقة ولا منطبقة على معايير واضحة. المشكلة لم تعُد في اسم هنا أو منصب هناك، بل في انعدام الإحساس بوجود ميزان واحد يُقاس عليه الجميع. وهذا أخطر ما في الأمر: حين تغيب المعايير، لا يعود الخلاف على الخيارات، بل على معنى الدولة نفسه.
4- قرار 2/2012... مؤشر إلى اختلال أعمق
في هذا السياق، تكتسب المراجعة الدستورية الأولى التي تقدّم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وما نتج منها من قرار المجلس الدستوري رقم 2/2012، دلالة تتجاوز موضوعها المباشر. فالقرار لا يعالج مسألة ترفيع مفتشين فحسب، بل يكشف عن اختلال عميق في مقاربة التعيين والترقية وإدارة الموارد البشرية في الدولة.
لدى قراءة النص المطعون بدستوريته، نكتشف حالة الإرباك التي أصابت المعايير، وهي لا تقلّ عن 9 مفاهيم حقوقية أصيلة: الاستثناء، المباراة، التعيين، المساواة، الصفة العامة للقانون، المجال المخصص للقانون، مبدأ الفصل بين السلطات الإجرائية والتشريعية والقضائية، وكذلك الفصل بين السلطتَين التشريعية والقضائية، الإمتناع عن الحكم وإنكار العدالة تالياً déni de justice في الممارسة العملية بعد أكثر من 10 سنوات، بالتالي تجاهل إشكالية الزمن والقانون، لأنّه ليس المطلوب فقط إحقاق الحق، بل أن تكون العدالة محققة واقعاً.
يعرض قرار المجلس الدستوري، المتخذ بإجماع أعضائه العشرة، حيثيات تحت 4 عناوين هي: انتهاكات مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والإجرائية، مفهوم الإستثناء، مبدأ المساواة، ومبدأ الفصل بين السلطتَين التشريعية والقضائية. لماذا يُلجأ إلى نصوص عامة وغير تفصيلية بدل الآليات الإدارية العادية؟ لماذا يُستحضر «الاستثناء» بدل القاعدة؟ ولماذا تتعطّل المباريات، وتُترَك المراجعات في مجلس شورى الدولة أكثر من 10 سنوات بلا حكم، بما يرقى إلى إنكار العدالة؟ لا تخصّ هذه الأسئلة ملفاً بعينه، بل تُصيب جوهر النظام الإداري، حيث اختلطت مفاهيم أساسية: الإستثناء، المباراة، المساواة، الفصل بين السلطات، ودور القانون نفسه.
وفي السياق عينه، نذكر قرار المجلس الدستوري رقم 7 تاريخ 3/7/2020 حول القانون 7/2020، وهو من أسوأ القرارات ويكرّس «سلطة» الوزير! وكأنّها سلطة مطلقة حيث لا سلطة تعلو القانون. وُجِد القانون للحدّ من السلطة المطلقة.
5- الحاجة إلى آليات... والعودة إلى الأصول
إنّ الخروج من مأزق التعيينات لا يكون بتغيير الأسماء ولا بتدوير الزوايا، بل بإعادة بناء آلية، واضحة وشفافة، تنطلق من الأصول الدستورية والإدارية، وتقوم على:
1- إحياء دور واستقلالية المعهد الوطني للإدارة إستناداً إلى المعايير الناظمة في إنشائه.
2- إحياء دور المباراة كقاعدة لا استثناء، وتحصين استقلالية الهيئات المعنية بالتقييم والاختيار.
3- حصر دور السلطة السياسية بالاختيار ضمن لائحة ضيّقة من الأكفّاء، لا في نسف النتائج.
4- ربط التعيين بالمساءلة اللاحقة، لا باعتباره مكافأة أو غنيمة.
5- إعادة الإعتبار لدور رئيس الدولة كحارس للمعايير الدستورية، لا كطرف في محاصصة.
إنّ أزمة التعيينات في لبنان ليست تقنية، بل معيارية وأخلاقية ودستورية. إنّها مرآة لاضطراب البوصلة في إدارة الشأن العام. إنّ كل تعيين يجري اليوم خلافاً للمعايير القانونية يعمل على رهن الإدارة وإرهاقها لسنوات طويلة في المستقبل. ومن دون آليات جديدة، تُعيد وصل الإدارة بالاستحقاق، والدولة بالمعايير، سيبقى كل تعيين مدخلاً جديداً لأزمة أخرى، لا خطوة نحو الخروج منها.