لماذا تتراجع قدرة تحمّل الكحول مع التقدّم في العمر؟
لماذا تتراجع قدرة تحمّل الكحول مع التقدّم في العمر؟
Monday, 19-Jan-2026 07:16

صداع أقسى، إرهاق أسرع، وثِقَل في الرأس بعد كأسٍ أو اثنتَين... هذا ليس وهماً ولا مبالغة. الجسد الذي يتقدّم في السنّ يتعامل مع الكحول بطريقة مختلفة تماماً عمّا كان عليه في العشرينات أو الثلاثينات.

ما كان يُشرب بسهولة ويُنسى في اليوم التالي، بات اليوم يترك أثراً واضحاً ومزعجاً. القاعدة العامة بسيطة: كلّما تقدّمنا في العمر، أصبح تكسير الكحول داخل الجسم أبطأ، وارتفع تركيزه في الدم، وطالت مدّة بقائه، فزادت حدّة التأثيرات واشتدّت أعراض «الصداع التالي». هذا التغيّر ليس نفسياً ولا مرتبطاً بالتحمّل الذهني، بل هو نتيجة مباشرة لتحوّلات بيولوجية تُصيب العضلات، الكبد، الدماغ، وحتى النوم.

 

تأثير النساء بالكحول أكثر من الرجال

أحد الأسباب الأساسية هو فقدان الكتلة العضلية. بدءاً من سنّ الـ30 تقريباً، يفقد الإنسان جزءاً من عضلاته تدريجاً، فيما ترتفع نسبة الدهون في الجسم. العضلات تحتوي على ماء أكثر من الدهون، وبالتالي كلّما قلّت العضلات، قلّ الماء الذي يُخفِّف تركيز الكحول في الجسم. النتيجة: الكمّية عينها من الكحول تصبح «أقوى» داخل الدم، وتؤثّر بشكل أسرع وأوضح على الكلام، التركيز، التوازن، وسرعة ردّ الفعل. هذا يفسّر أيضاً لماذا تتأثّر النساء غالباً بالكحول أكثر من الرجال عند شرب الكمّية عينها، ولماذا يزداد الأمر وضوحاً مع التقدّم في العمر.

 

العامل الثاني هو الكبد. مع مرور السنوات، تُصبح الإنزيمات المسؤولة عن تفكيك الكحول أقل كفاءة. الكحول يبقى فترة أطول في الجسم، ويستغرق وقتاً أطول ليُزال. يُضاف إلى ذلك أنّ كبار السنّ أكثر عرضة لمشكلات كبدية شائعة، مثل تراكم الدهون في الكبد أو التليّف، ما يبطّئ العملية أكثر ويضاعف التأثير.

 

ثمّ هناك عامل الأدوية. مع العمر، يزداد عدد الأدوية التي يتناولها الإنسان، وكثير منها يتفاعل سلباً مع الكحول. بعض المسكّنات، أدوية الأعصاب، مضادات الاكتئاب، وأدوية الضغط يمكن أن تضاعف تأثير الكحول على الدماغ، فتزيد الدوخة، تُضعِف التوازن، وترفع خطر السقوط والحوادث.

 

بعد الـ40 شرب الكحول لا يمرّ بلا ثمن

ولا تنتهي القصة هنا. تفكّك الكحول يُنتج مواد سامة، أبرزها «الأسيتالديهيد»، وهي المسؤولة عن الصداع والغثيان وتسارع النبض. ومع التقدّم في العمر، يتباطأ تخلّص الجسم من هذه المواد، فتطول أعراض التعب. أضف إلى ذلك أنّ الإحساس بالعطش يضعف، فيشرب كبار السنّ ماءً أقل، فيزداد الجفاف. كما أنّ النوم يصبح أكثر هشاشة، والكحول تفاقم اضطرابه، فيجتمع الإرهاق مع قلّة النوم ليصنعا يوماً تالياً أثقل بكثير.

 

الخلاصة واضحة: ما كان «متعة خفيفة» في الماضي بات يحتاج إدارة وحساباً أدقّ. بعد الـ40، شرب الكحول لا يمرّ بلا ثمن، والجسم أصبح أكثر صراحة في إرسال الفاتورة.

theme::common.loader_icon