الأزمة الاقتصادية: ما كان يجب أن لا يحصل
الأزمة الاقتصادية: ما كان يجب أن لا يحصل
أنطوان منسى رئيس تجمّع رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين
Saturday, 17-Jan-2026 06:44

في سياق خطة التحضير للأزمة الإقتصادية التي اندلعت «رسمياً» في لبنان في تشرين الأول من العام 2019، فُرِضَت سردية مفادها أنّ أسباب الأزمة هي تقنية بحتة، تتجسّد بما سُمِّيَ بالهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان مع المصارف التجارية، والأرباح «الفاحشة» للمصارف، وكلفة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، والفوائد «المفرطة» على الودائع المصرفية، و»تهريب الأموال»، بالإضافة إلى العجز في الميزان التجاري وفاتورة الإستيراد المرتفعة والإستهلاك المُفرَط للبنانيِّين، مقابل تجاهل متعمّد للأسباب السياسية والأمنية والإدارية. فيما تمّ التغاضي عن استباحة القطاع العام والتوظيف العشوائي والإنفاق من دون موازنات وعدم الإلتزام بالمهل الدستورية والزبائنية السياسية وتسييس القضاء والإقتصاد الموازي والتهريب وإقحام لبنان في حروب إقليمية.

شارك في هذه الحملة المنظّمة التي استهدفت القطاع المالي، وبالتحديد مصرف لبنان، مروحة واسعة من إعلاميّي الصدفة والخبراء المستجدّين التوّاقين إلى مناصب في السلطة التنفيذية والنقدية وإلى التربّع على مجالس إدارة المصارف، والذين تكاثروا بسرعة فائقة.
وتجلّى هذا المنحى من خلال تشكيل حكومة الدكتور حسان دياب ومشروعها وقراراتها التي هدفت إلى تحقيق أهداف الخطة الأساسية وهي تغيير هوية الإقتصاد اللبناني وعزله من النظام المالي والمصرفي الدولي، وجعل لبنان إحدى منصات مشروع إقليمي للأعمال المشبوهة ووجهة ومصدر أموال غير نظيفة لا يمكن أن تعبر البلدان والقارات، من خلال مصارف تتبّع المعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والحَوكمة والشفافية والإدارة الرشيدة. فانهالت هذه الأدوات الإعلامية وما سُمِّي بالخبراء على مصرف لبنان والمصارف التجارية من خلال تسويقها للأسباب «التقنية» للأزمة.
والجدير بالذكر، أنّ الأحداث المتلاحقة والتاريخ أثبتوا بشكل لا يقبل الشك أنّ قرارات حكومة الدكتور دياب ومستشاريها ومَن وراءها، أدّت إلى إحدى أسوأ المراحل من تاريخ الإقتصاد والنظام المالي اللبناني. وبالتحديد، هناك 4 قرارات لهذه الحكومة تصلح للتدريس في كتب التاريخ وفي كليات الإقتصاد عن «ما لا يجب أن يحصل».
أولاً، وبغضّ النظر عمّا أطلقته هذه المجموعة على نفسها من ألقاب مثل حكومة «الإنقاذ» أو «الإصلاح» أو ما شابه، كان القرار البديهي والأبسط يجب أن يكون فرض قيود على حركة رؤوس الأموال، أو ما يُعرف بالـCapital Control، بغضّ النظر عن أي اعتبارات أو ضغوط سياسية. ولكنّها فشلت في إقرار هذا الإجراء، وأمعنت في إعطاء الأعذار تلو الأخرى. علماً أنّ للبنان تجربة ناجحة في هذا السياق خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 وأزمة بنك إنترا. فكان أبسط قرار هو استنساخ الإجراءات التي اتخذتها الحكومات في تلك الحقبة. ولو وُجِد الوعي لاتُخِذ هكذا قرار وجنّب لبنان والقطاع المصرفي والمودعين معظم المشاكل المالية التي يعانون منها اليوم.
ثانياً، اتخذت تلك الحكومة، وبسابق تصوّر وتصميم من الجهة السياسية التي شكّلت فعلياً الفريق الحكومي ومستشاريه، القرار الكارثي بالتعثر عن تسديد سندات «اليوروبوندز» للدولة اللبنانية، وأعطت أسباباً هي في الحقيقة أعذار وليست أسباباً لهذا القرار، وفي مقدّمة هذه الأعذار «الحفاظ على احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية» و»دعم الفئات المحتاجة والفقيرة من المجتمع اللبناني، بدل تبديد هذه الاحتياطات على حاملي السندات من مصارف وجهات خارجية تستنزف موارد الدولة اللبنانية».
والواقع، هو أنّ الحكومة كانت أمام فرصة نادرة لإعادة «جدولة» الدين العام وتخفيض كلفة خدمة الدين العام، مع الحفاظ على التاريخ الناصع والمثالي للدولة اللبنانية بالإيفاء بالتزاماتها المالية الخارجية، لكنّها اختارت عمداً وعن سابق تصوّر وتصميم، خيار تدمير مصداقية الدولة اللبنانية، إذ إنّ استحقاقات «اليوروبوندز» بلغت 1,2 مليار دولار في آذار و700 مليون دولار في نيسان و600 مليون دولار في حزيران 2020، بينما الاستحقاق التالي كان بمليارَي دولار يستحق في نيسان 2021، أي بعد 9 أشهر من استحقاق حزيران 2020، وأكثر من سنة على استحقاق آذار 2020. وهذه الفترة الزمنية كانت كفيلة بإعطاء الوقت الكافي للحكومة للإتفاق مع حاملي السندات على إعادة جدولة منظّمة وشفافة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تحافظ على مصداقية الحكومة وعلى تصنيف لبنان الإئتماني في آنٍ، خصوصاً أنّ احتياطات مصرف لبنان وصلت إلى 29 مليار دولار في آخر شباط 2020، أي أكثر بأضعاف من استحقاقات 2020 مجتمعة، ممّا كان يُتيح للحكومة تسديد هذه الاستحقاقات مع الفوائد المترتبة عليها بالكامل.
إذاً، الخيارات كانت موجودة ومُتاحة لتجنيب لبنان واللبنانيّين كارثة حقيقية، لكنّ القرار السياسي بالتعثر كان قد اتُخِذ من أجل خدمة المشروع الإقليمي على حساب لبنان واللبنانيِّين. فمنذ آذار 2020، أصبح لبنان على هامش النظام المالي والمصرفي الإئتماني الدولي، وهبط تصنيفه الإئتماني إلى أدنى مستوى على سُلَّم التصنيفات الإئتمانية لوكالات التصنيف. وأصبحت الشركات والمؤسسات والمصارف التجارية اللبنانية عاجزة عن إجراء أي معاملة تجارية إلّا من خلال الكاش فقط لا غير. توازياً، لم تُقدِم الحكومة على أي خطوة لبدء مفاوضات جدّية مع حاملي السندات، واتهمت هؤلاء برفض التفاوض.
ثالثاً، وتماشياً مع القرار السياسي بالتعثر، اتخذت الحكومة قرار دعم السِلَع والمواد المستوردة تحت شعار «مساعدة العائلات المحتاجة والطبقات الفقيرة» لمواجهة الغلاء والتضخّم. فقرّرت دعم أكثر من 300 سلعة من بينها المحروقات بالإضافة إلى كماليات لا تستطيع العائلات المحتاجة حتى تسمية أصنافها. والمضحك في هذا القرار، أنّ أبسط قاعدة في علم الإقتصاد وما يُدرَّس في السنة الأولى لطلاب الإقتصاد في الجامعات، وهو أنّ الدعم يجب أن يأتي للعائلات المحتاجة وليس على السِلَع، تمّ تجاهله بالكامل من أصحاب هذا القرار ومستشاريهم ومَن خَلفِهم. وقد أظهرت الوقائع أنّ قرار الدعم هذا لم يكن هدفه مساعدة العائلات المحتاجة، إذ خُزِّنت واحتُكِرت وهُرِّبت المواد والسلع المدعومة إلى سوريا وبلدان أخرى، ولم يستفد معظم الشعب اللبناني من هذا الدعم، إذ إنّ السلع المدعومة لم تكن موجودة في غالبيّتها في المحال والسوبرماركت أو في محطات البنزين وخزانات المازوت، لأنّها وجدت طريقها إلى سوريا بطريقة منظّمة ومدروسة لدعم النظام القائم في تلك الفترة، والذي كان خاضعاً لعقوبات دولية جفّفت مصادر تمويله التقليدية.
واستنزف قرارالدعم ما بين 12 و14 مليار دولار أميركي من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، أي من ودائع المواطنين والودائع المصرفية، فأثبت هذا القرار ونتائجه الكارثية على احتياطي المصرف المركزي، أنّ السيولة بالعملات الأجنبية كانت متاحة لمقاربة مستحقات «اليوروبوندز» بطريقة منطقية وموزونة وعملية ولصالح الإقتصاد اللبناني والقدرة الإئتمانية للدولة اللبنانية. وكل ما سوِّق وقيِل عن عدم القدرة عن تسديد 1,2 مليار دولار في آذار 2020 فَقدَ أي مصداقية مع استنزاف ما يصل إلى 14 مليار دولار على دعم النظام السوري وحلفائه من مدّخرات اللبنانيِّين. ولم تأخذ هذه الحكومة برأي ونصائح أي جهة أخرى لم تكن منخرطة في مشروعها السياسي، على رغم من التحذيرات العديدة التي جاءت من مقرّبين لها.
رابعاً، واستكمالاً للمشروع المذكور أعلاه، جاءت الحكومة ومستشاروها وداعموها السياسيِّون بما يُعرَف بخطة Lazard التي سمّتها خطة «إصلاحية» للقطاع المصرفي. وللإنصاف، تلقّى فريق شركة Lazard تعليمات الحكومة برؤيتها «للإصلاح المصرفي» وتَرجَمتها إلى خطة تهدف إلى سطو غير مسلّح على القطاع المصرفي من خلال الإطاحة بالمصارف اللبنانية واستبدالها بـ5 مصارف جديدة. وبدأت المنظومة الإعلامية والخبراء المستجدّون بالتسويق لهذه الخطة، من خلال تضليل الرأي العام بالقول إنّها ستردّ معظم الودائع للمودعين. علماً أنّ الهدف غير المُعلَن للخطة كان شطب الأكثرية الساحقة من الودائع، واعتبار معظم موجودات المصارف كموجودات هالكة وغير صالحة وغير قابلة للإستمرار.
طبعاً، لم تستطع هذه المنظومة الحكومية ومَن خلفها من تنفيذ مآربها في ما خصّ الإطاحة بالنظام المصرفي، لاضطرار الحكومة على الإستقالة بسبب تلكّؤها وإهمالها لمسألة خارجة عن نطاق هذا المقال، وهي جريمة انفجار مرفأ بيروت.
لكن، وعلى رغم من قصر عمر الحكومة، الذي بلغ 6 أشهر، استطاعت أن تشوّه هوية الإقتصاد اللبناني، وتضرب مصداقية الدولة اللبنانية، وتستنزف نصف احتياطي مصرف لبنان، وتدّمر ما تبقّى من ثقة بالإقتصاد، وتعزل لبنان عن الأسواق المالية العالمية، وتعمّق أزمة السيولة في القطاع المصرفي، وتساهم بانفلاش اقتصاد الكاش، وتدعم النظام السوري وحلفاءه بمليارات المودعين. وما زال الإقتصاد اللبناني والقطاع الخاص والمودعون والمصارف التجارية والمواطن اللبناني، يعانون من تداعيات هذه القرارات الأربعة لغاية اليوم.ش

theme::common.loader_icon