إيران بوصفها عقدة العالم: الجغرافيا التي تُرعب الإمبراطوريات
إيران بوصفها عقدة العالم: الجغرافيا التي تُرعب الإمبراطوريات
د. علي محمود الموسوي
Friday, 16-Jan-2026 07:28

حين ننظر إلى إيران في الخطاب الإعلامي الغربي، تبدو دولة «مشكلة»، نظاماً «مزعجاً»، قوة «متمردة» على النظام الدولي. لكن هذا الوصف يخفي حقيقة أبسط وأخطر: إيران ليست مشكلة سياسية، بل عقدة جغرافية. إنّها المكان الذي تتقاطع فيه طرق الطاقة، وممرات القارات، وأعصاب الإمبراطوريات. ولهذا لا تستطيع القوة المهيمنة أن تتسامح مع استقلالها، لا لأنّ سياساتها صادمة، بل لأنّ موقعها ذاته يهدّد بنية السيطرة العالمية.

منذ القرن التاسع عشر، فهمت الإمبراطوريات أنّ السيطرة على إيران لا تعني السيطرة على شعب أو حكومة، بل على بوابة كونية. شمالها ينفتح على بحر قزوين، وهو بحر مغلق يختزن واحداً من أكبر احتياطات الطاقة في العالم، ويشكّل الامتداد الجنوبي الطبيعي لروسيا والقوقاز. مَن يسيطر على إيران يستطيع أن يخنق هذا البحر أو أن يفتحه، أن يعزل روسيا أو أن يمنحها منفذاً. لهذا كان جنوب روسيا دائماً منطقة قلق إمبراطوري، ولهذا كانت إيران تاريخياً الجدار الذي يمنع تطويق موسكو من الجنوب. ليس مصادفة أنّ كل محاولة غربية لمحاصرة روسيا مرّت عبر محاولة تفكيك إيران أو اختراقها.

 

غرباً، تمتد إيران نحو القوقاز: أذربيجان، أرمينيا، جورجيا. هذه المنطقة ليست مجرد دول صغيرة، بل عقدة بين أوروبا وآسيا، بين البحر الأسود وبحر قزوين، بين روسيا والشرق الأوسط. إيران هي القوة الوحيدة التي تمتلك جذوراً تاريخية وجغرافية وثقافية في هذا المجال كله. السيطرة عليها تعني إعادة تشكيل القوقاز، أي قطع أحد الشرايين التي تصل روسيا بالشرق، والصين بأوروبا. الإمبراطورية لا تريد إيران لأنّها دولة، بل لأنّها جسر.

 

شرقاً، تنفتح إيران على تركستان وخراسان، أي على آسيا الوسطى وعلى الخاصرة الغربية للصين. من هذه النقطة تحديداً يمرّ طريق الحرير الجديد، ومن هنا تفكر بكين في وصل صناعتها بموارد أوراسيا وأسواق الشرق الأوسط. تدرك واشنطن أنّ أي نفوذ إيراني مستقل في هذه المنطقة يجعل خنق الصين أكثر صعوبة. لهذا يُصوَّر شينجيانغ في الخطاب الغربي كـ»غرب متوحش»، ليس لأنّه كذلك، بل لأنّه عقدة يجب عزلها. إيران هي المفتاح الجنوبي لهذه العقدة، ومَن يسيطر عليها يستطيع أن يفتح الطريق للصين أو أن يقطعه.

 

جنوباً، تطلّ إيران على أفغانستان وباكستان، أي على بوابة شبه القارة الهندية. هذه المنطقة كانت دائماً قلب النزاع الإمبراطوري منذ القرن التاسع عشر، من «اللعبة الكبرى» بين بريطانيا وروسيا إلى النزاع الأميركي ـ الصيني اليوم. إيران هنا ليست هامشاً، بل مدخلاً. هي الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تربط الهند بآسيا الوسطى من دون المرور بالغرب، وأن تربط روسيا بالمحيط الهندي من دون المرور بالمضائق الخاضعة للأساطيل الغربية. إنّ إستقلال إيران يعني أنّ شبكة الممرات القارية تبقى خارج السيطرة الإمبراطورية الكاملة.

 

لكن الجغرافيا وحدها لا تفسّر كل شيء. إيران ليست فقط عقدة قارات، بل عقدة طاقة. فهي تملك ثالث أكبر احتياطي من النفط والغاز في العالم، وهو ما يجعلها في حدّ ذاته تهديداً لهيمنة الشركات الغربية. لكن الأهم من ذلك هو أنّها ليست مجرد مخزن للطاقة، بل عقدة عبورها.

 

أوروبا اليوم، بعد قطعها علاقاتها مع روسيا، باتت تعتمد على الغاز القادم من الخليج، من قطر والإمارات تحديداً. هذا الغاز لا يصل إلى موانئ المتوسط عبر فراغ، بل عبر سلسلة من نقاط الاختناق: مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، ثم شرق المتوسط. كل هذه العقد تقع داخل مجال التأثير الإيراني أو حلفائه، من الخليج إلى اليمن إلى فلسطين ولبنان.

 

في هذا المجال، تتحول إيران إلى زرّ الاقتصاد العالمي. أي توتر فيها أو حولها لا يهدّد فقط واشنطن، بل يضع أوروبا واليابان والهند والصين أمام خطر انقطاع الطاقة. لهذا تبدو فكرة «تغيير النظام» في طهران أقل ارتباطاً بحقوق الإنسان وأكثر ارتباطاً بحقوق المرور. الإمبراطورية لا تريد ديموقراطية في إيران، بل تريد نظاماً لا يستخدم الجغرافيا كسلاح. تريد دولة تمرّ عبرها الطاقة بلا شروط، ولا تملك القدرة على جعل العبور مكلفاً.

 

لهذا أيضاً، نلاحظ المفارقة اللغوية: حين تكون السلطة في دولة ما متوافقة مع المصالح الأميركية، تُسمّى «حكومة». وحين تكون مستقلة، تُسمّى «نظامًا». الكلمة ليست بريئة؛ هي إعلان نية. فالنظام يُغيَّر، أما الحكومة فتُدعَم. إيران وُضعت في خانة «النظام» لأنّها تقع في عقدة لا يجوز أن تكون مستقلة. وجودها الحرّ يعني أنّ روسيا ليست محاصَرة بالكامل، وأنّ الصين ليست مختنقة، وأنّ أوروبا ليست مطيعة تماماً، وأنّ أسواق الطاقة ليست مضمونة.

 

في هذا السياق، نفهم أنّ النزاع مع إيران ليس نزاعاً على برنامج نووي أو على نفوذ إقليمي، بل هو نزاع على من يملك مفاتيح العالم. الجغرافيا هنا ليست خلفية، بل بطل القصة. إمبراطوريات القرن الواحد والعشرون، مهما تحدثت عن القيم، لا تزال تحارب كما كانت تحارب دائماً: على الممرات، على البحار، على طرق الطاقة، على العِقد التي تربط القارات.

 

إنّ إيران هي إحدى هذه العِقد. وربما أخطرها. ولهذا لا يُسمح لها أن تكون مجرد دولة عادية. إمّا أن تكون ممراً صامتاً في شبكة الهيمنة، أو تُستهدف باعتبارها «مشكلة عالمية». وفي هذا التوتر بين ما هي عليه وما يُراد لها أن تكونه، يتحدّد موقعها في التاريخ: ليس كدولة متمرّدة، بل كجغرافيا ترفض أن تُختصر في وظيفة داخل إمبراطورية.

theme::common.loader_icon