حماية الوجود وصناعة الدور
حماية الوجود وصناعة الدور
أنطوان قسطنطين
Tuesday, 13-Jan-2026 07:56

يزداد الخوف على مصير لبنان، الذي يعتبر البعض أنّه نموذج سقط وانتهى. وتتراكم الأخطار التي تُهدِّد الوجود، إلّا أنّ الأخطر هو أن تنتفي حاجة الناس لدولتهم، فتنتفي ضرورة وجودها. فأزمة الوجود واجهتها دول وأمم كثيرة، وبقدر ما تُنذِر بنهاية الدولة فإنّها تحمل فرصة خلاصها.

نهضت أوروبا من ركام الحرب العالمية الثانية، وقامت اليابان من رماد القنبلة النووية، وحوّلت الصين وكوريا وماليزيا أزماتها إلى معجزات. أمّا سنغافورة، وهي المثل الأقرب للبنان، فتحوّلت في أقل من 20 سنة من جزيرة بلا موارد، غارقة في الفقر والفساد والنفايات، إلى واحدة من أغنى دول العالم، بفضل رؤية إنقاذية لقائد استثنائي (لي كوان يو) ركائزها: نشر التعليم، ضرب الفساد وفرض الاستقرار بلجم العصبيات.

 

نفّذت سنغافورة برامج إصلاحية وحدّدت لنفسها دوراً، فتحوّلت تجربتها إلى قصّة نجاح لدولة تجرّأت فنهضت. ولبنان الذي استلهمت سنغافورة نجاحه في ستّينات القرن الماضي، مدعو إلى أن يستلهم اليوم أنموذجها في حماية الوجود وصناعة الدور.

 

على اللبنانيِّين أن يدركوا أنّ شراكتهم هي مبرّر لوجود دولتهم، وأنّ الخطر ليس في العيش معاً، بل في فشل إدارة العيش معاً، وأنّ عقلية الهيمنة بالامتيازات أو العدد أو السلاح هي سبب خراب الدولة.

 

يقف لبنان عند مفترق مصيري وسط صراعات هي أشبه بحرب عالمية ثالثة بين دول كبرى تتنافس للسيطرة على مصادر الطاقة، ممرات التجارة البحرية، المعرفة الرقمية، معادن صناعة الذكاء الاصطناعي، والأسلحة الذكية الأكثر تدميراً.

 

حروب مباشرة أو بالواسطة تخوضها القوى الكبرى من أميركا الجنوبية إلى شرق آسيا، من فنزويلا إلى أوكرانيا وإيران واليمن، وربما تايوان غداً. وفيما تدور الحرب في قلب أوروبا، أصبح البحر المتوسط منطقة نفوذ أميركي، وهو معطى يجدر بلبنان التعامل معه بواقعية ليضمن الحماية لنفسه.

 

وفيما يتأرجح الخليج العربي بين الحرب والاستقرار، شكّل اعتراف إسرائيل بدولة أرض الصومال إيذاناً بحروب جديدة للسيطرة على المضائق والممرّات البحرية من القرن الإفريقي إلى باب المندب والبحر الأحمر. فحروب التحكّم باستخراج النفط والغاز وبالموانئ وحركة النقل والتجارة البحرية، جعلت لبنان في قلب صراع الأمن والمصالح الاستراتيجية الكبرى.

 

على حدودنا الشرقية والشمالية تتشكّل الدولة السورية بتوازنات قوى داخلية وموازين قوى خارجية جديدة. وفي جزء منه يتوقف مستقبل لبنان على نوعية التعاطي مع سوريا الجديدة في ملفات النزوح، الأمن، الحدود، السيادة، والتعاون الاقتصادي، فمن صالح الدولتَين إعادة بناء الثقة المفقودة بينهما.

 

أمّا على حدودنا الجنوبية، وعلى خلفية أسطورية تنفّذ إسرائيل، بالنار أخطر مشاريعها بإعادة رسم الحدود الجغرافية والسكانية. لبنان المنقسم حول السلاح يحتاج إلى معادلة حماية جديدة ركيزتها:

 

- اتفاق بين اللبنانيِّين على حصر السلاح بيَد الدولة لتعزيز قوتها وتحميلها مسؤولية تحرير الأرض والدفاع عن الوجود والحدود.

- دخول في حوار صريح مع الولايات المتحدة الأميركية لفهم أهدافها ومصالحها مقابل حماية لبنان بإنهاء الاحتلال والتزام اتفاقية الهدنة.

 

في معركة حماية الوجود وصناعة الدور، تبرز مواجهة أكثر خطورة مع منظومة السلطة العميقة، العابرة للطوائف، المتحكّمة بخوف الناس، والمانعة لقيام الدولة بتعطيل الإصلاح والمحاسبة.

 

استمرار النظام من دون إصلاحات بات هو الخطر على وجود الدولة. فكيف نبني دولة مواطنة مدنية من دون قانون انتخاب يُنتج قوى سياسية بعقول مدنية؟ أليست الدولة المدنية بصيغتها اللبنانية، هي التي تحفظ التنوّع الديني والثقافي وتحمي الشراكة المتوازنة وتمنع الهيمنة؟ كيف يمكن الحديث عن دولة حق من دون عدالة ضريبية ومساواة في حقوق الإنماء وواجباته؟ وهل يُدرك المتحمّسون لتطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة أنّ تحقيقها يحتاج لدولة مركزية في الأمن والدفاع والمال والسياسة الخارجية؟ وهل يدرك الرافضون لها أنّهم يُشجّعون على نزعة تقسيمية إنتحارية، وأنّ تعطيلها بذريعة حماية الوحدة الوطنية هو حماية لنظام الفساد والزبائنية وتكريس للفوارق الإنمائية وابتزاز المواطن في حقوقه مقابل رهن إرادته.

 

نهوض الدولة يحتاج إلى مقوّمات يملك لبنان أهمّها، وأقصد رأس المال البشري من كفاءات جامعية، وطاقات شبابية، ومهارات علمية وإبداعية قادرة، إذا توفّر الأمن، القضاء الفعّال، وشبكات الاتصالات والمواصلات، على تحقيق الازدهار من دون أن تهاجر. فمع دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي، يحتاج لبنان لدمجه في الإدارة العامة، البرامج التعليمية، والمؤسسات الاقتصادية لزيادة فرص العمل ذات المردود المرتفع.

 

الذكاء الاصطناعي بوابة العصر الجديد، وهو فرصة لربط لبنان المقيم بلبنان المنتشر عبر منصات اقتصاد رقمي. ومن الخطأ استمرار الرهان على تجديد دور لبنان كمقدّم خدمات حصراً، فالمستشفى، الجامعة، المدرسة، المرفأ، المصرف، والفندق، لم تعُد امتيازاً لبنانياً.

 

لبنان غني بتاريخه وآثاره، ويتميّز بمناخه، لكنّه يحتاج إلى ابتكار دور جديد. قبل 3 آلاف سنة ابتكرت جبيل دوراً بإنجاز قلب الموازين: نظّمت الأبجدية التي فتحت طرق التواصل وتبادل المعرفة في العالم القديم، فحفظت الحضارة بالتدوين، وحققت أول مساواة بين الناس في امتلاك المعرفة، وأول عولمة في التاريخ بتأمين أداة التواصل بين الشعوب.

 

بين أعجوبة سنغافورة المعاصرة والأعجوبة الجبيلية قاسم مشترك. إنّها أمثولة نجاح في ابتكار دور سمح لهما بالصمود، كلٌّ في زمانه. من روح التجربتَين نستطيع أن نستلهِم دوراً جديداً للبنان، فمن الظلم أن يواصل أولادنا الهجرة بسبب اليأس، ومن سخرية القدر أن يحتسبهم بعض وزراء السياحة ضمن أعداد السياح فيما تطالب الأمم المتحدة بمنح النازحين واللاجئين حقوق المواطنين.

 

بقاء لبنان الكبير شرط لبقاء الدولة، فإذا تفكّك، لن تقوم فوق أرضه دول للطوائف بل سيجري توزيعها جوائز ترضية لدول الجوار، فنخسر الوجود والدور معاً في زمن يقظة إمبراطوريات متصارعة. المقاومة حق، والسيادة غير قابلة للمساومة، لكنّ الصراع لا يرحم، والدول التي لا تمتلك دوراً يحمي وجودها مهدّدة بالزوال.

theme::common.loader_icon