إحياء فرضية «فائدة» الشرب الخفيف
إحياء فرضية «فائدة» الشرب الخفيف
Monday, 12-Jan-2026 05:49

بعد سنوات من التراجع، عادت إلى الواجهة فكرة أنّ الشرب الخفيف قد يكون مفيداً للقلب، لكن هذه المرّة من باب الجدل لا القناعة. أطلقت جمعية القلب الأميركية مراجعة علمية جديدة أثارت عاصفة من الانتقادات، لأنّها تتعارض مع دراسات حديثة، بل ومع إرشادات الجمعية نفسها، التي شدّدت سابقاً على أنّ الكحول ضار حتى بكمّيات صغيرة.

المراجعة، التي نُشرت في مجلة Circulation العلمية، استهدفت أطباء القلب، وسعت إلى تلخيص أحدث الأبحاث حول العلاقة بين الكحول وصحة القلب.

وخلصت إلى أنّ تناول مشروب إلى مشروبَين يومياً لا يزيد خطر الإصابة بأمراض الشرايين التاجية أو السكتات الدماغية أو الموت المفاجئ، وقد يساهم حتى في خفض احتمال الإصابة بها. هذه الخلاصة أعادت إلى الحياة سردية قديمة كادت تُدفن تحت تحذيرات متصاعدة من أنّ الكحول يُسبِّب السرطان وأمراضاً مزمنة متعدّدة.

في المقابل، حذّرت مجموعات صحة عامة وأطباء كثر، من أنّ أي تلميح لفوائد محتملة قد يكون مضلّلاً وخطيراً. فشبكات قلبية أوروبية ومنظمات عالمية، شدّدت على أنّ الشرب، حتى لو كان «معتدلاً»، يزيد مخاطر أمراض القلب والوفيات. كما تؤكّد مراكز السيطرة على الأمراض الأميركية أنّ الشرب المعتدل قد يرفع خطر الموت مقارنةً بعدم الشرب نهائياً.

الدكتورة مارييل جيسَب، كبيرة المسؤولين الطبيِّين في جمعية القلب، حاولت التخفيف من وقع الجدل، موضّحةً أنّ المراجعة لا تُشكِّل إرشادات رسمية، وأنّ موقف الجمعية لم يتغيّر: «إذا كنت لا تشرب، فلا تبدأ». لكنّها أقرّت بأنّ الأدلة غير حاسمة بما يكفي للقول إنّ الكحول يَقي من أمراض القلب.

منتقدو المراجعة يرَون أنّ المشكلة أعمق. فبحسبهم، اعتمدت الجمعية على دراسات رصدية متناقضة وأهملت أبحاثاً أحدث، مثل دراسات «العشوائية المندلية»، التي تستخدم الاختلافات الجينية لتقليل التحيز. هذه الدراسات لم تجد أنّ الأشخاص الذين يشربون أقل طوال حياتهم معرّضون أكثر لأمراض القلب، ما يُضعف فرضية الفائدة.

الجدل ليس علمياً فقط، بل سياسي واقتصادي أيضاً. فمع اقتراب تحديث الإرشادات الغذائية الأميركية، ومع تراجع استهلاك الكحول في المجتمع الأميركي، تبدو نتائج أي تقرير ذات أثر مباشر على صناعة تعاني أصلاً من انخفاض المبيعات.

في النهاية، يتفق الطرفان على أمر واحد: لا خلاف على ضرر الشرب الكثيف. أمّا الشرب الخفيف، فيبقى في المنطقة الرمادية بين دراسات متضاربة ومصالح متشابكة، بانتظار تجارب سريرية عشوائية حاسمة يصعب أخلاقياً تنفيذها. وحتى ذلك الحين، تبقى النصيحة الأبسط والأكثر أماناً: تقليل الكحول قدر الإمكان، أو الاستغناء عنه كلّياً.

theme::common.loader_icon