الودائع متمرّدة على أصحابها أولاً ورجال القانون وعلى الدستور الذي يتجاهله مشروع قانون الإنتظام المالي واسترداد الودائع. الودائع متمرّدة على العنوان استرداد المطلوب، بينما القانون يفرض الردّ عيناً Restitution. الودائع متمرّدة على عدم مراعاة الدستور الذي نصّ في مقدّمته، الفقرة (و)، على ما حرفيّته: «النظام الإقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة».
في كون مشروع القانون منعدم الوجود لعدم إقراره بغالبية ثلثَي أعضاء مجلس الوزراء. الودائع تتمرّد على مخالفتكم للدستور، ولاسيما الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور التي تنصّ على ما حرفيّته: «يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقرّ خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر، ويكون النصاب القانونـي لانعقاده أكثرية ثلثَي أعضائه، ويتخذ قراراته توافقياً، فإذا تعذّر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور».
في العودة إلى البيان الوزاري يُثبت ما يلي: «ستحظى الودائع بالأولوية من حيث الإهتمام، من خلال وضع خطة شاملة متكاملة وفق أفضل المعايير الدولية». الحكومة تعترف أنّ مشروع القانون هو خطة شاملة طويلة المدى لإعادة الودائع، فكيف تقرّ مشروعاً يفرض الدستور إقراره بثلثَي أعضاء مجلس الوزراء.
حق الملكية المحمي بالدستور أليس من المواضيع الأساسية، وأهم بكثير من تعيين موظف فئة أولى متسلّح ببطاقة حزبية. إنّ اقتراح المشروع يُفقد ثقة المواطن بالدولة، أليس هذا الأمر من المواضيع الأساسية؟ أمّا المواضيع الأساسية، فإنّها تحتاج إلى موافقة ثلثَي عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها، ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي: الخطط الإنمائية الشاملة والطويلـة المدى.
الودائع تتمرّد على مخالفتكم الفقرة الثانية من المادة 65 من الدستور التي تنصّ على ما حرفيّته: «تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء... ومن الصلاحيات التـي يمارسها.
2- السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة».
المشروع لم يحافظ على تنفيذ قانون الموجبات والعقود ولا قانون التجارة ولا قانون النقد والتسليف ولا حق الملكية، وقد جاء فاقداً كل شرعية داخلية Légalité interne وشرعية خارجية Légalité externe ومخالفاً لنطاق تطبيق القانون.
الودائع تتمرّد على مخالفتكم القضية المحكمة العائدة لقرارات المجلس الدستوري، والملزمة لكافة إدارات الدولة بما فيها الحكومة. وتطلب من مجلس النواب عدم استقبال الإقتراح وردّه أو إعادته إلى الحكومة، لأنّه صادر عن حكومة فاقـدة أهلية الإقرار، ولأنّه من المواضيع الأساسية التي يتناولها ولا تحصى ولا تُعَدّ: حجم الودائع، حجم الدين العام، حجم موازنة المصرف المركزي، حجم خسائر البنك المركزي، حجم الأرباح التي حققتها المصارف، حجم الهندسات المالية ومَن استفاد منها.
كل هذا والحكومة أقرّت الموازنة من دون قطع الحسـاب، وعلى رغم من أنّ هذا الأمر مخالف للدستور وما زالت الحكومة مستمرّة. عنوان مشروع القانون هو «استرداد الودائع» ماذا يعني وضع آلية رسمية، تحديد كيف ومتى وبأي نسبة يُعـاد المال إلى المودعين. «النظام الإقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة».
وقضى المجلس الدستوري في قراره رقم 2/97 تاريخ 12/9/1997: «المبادئ الواردة في مقدّمة الدستور جزء لا يتجزّأ منه ويتمتع بقيمة دستورية». وقد قضى المجلس الدستوري في قراره رقم 2/1997 تاريخ 12/9/1997 ما حرفيّته: «وبما أنّه إذا كان مجلس النواب يتمتع بصلاحيات شاملة على صعيد التشريع» باعتبار أنّ الدستور قد حصر به وحده سلطة الإشتراع، فإنّ المجلس في «ممارسته لهذه السلطة يبقى مقيّداً باحترام الدستور والمبادئ والقواعد ذات القيمة الدستورية». هذا العنوان مخالف لأحكام قانون الموجبات والعقود وقانون التجارة وللقضية المحكمة لقرارات المجلس الدستوري.
وقد قضى المجلس الدستوري في قراره رقم 4/2000 تاريخ 22/6/2000: «وبما أنّ حق الملكية هو من الحقوق الأساسية التي يحميها الدستور، في الحدود التي لا تتعارض مع المصلحة العامة، والتي وحدها تبرّر إنتزاع الملكية الفردية» في إطار القانون مقابل تعويض عادل. «وحول المواثيق الدولية المنصوص عليها صراحة في مقدّمة الدستور، تؤلّف مع هذه المقدّمة والدستور جزءاً لا يتجزّأ، وتتمتّع بالقوّة الدستورية». فقد قضى المجلس الدستوري في قراره رقم 5/2001 تاريخ 10/5/2001: «المواثيق الدولية المعطوف عليها صراحة في مقدّمة الدستور تؤلّف مع هذه المقدّمة والدستور جزءاً لا يتجزّأ منه». وعليه، فقد نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تاريخ 10/12/1948 في المادتَين 17 على ما حرفيّته:
«1- لكل فرد حق في التملّك، بمفرده أو بالإشتراك مع غيره.
2- لا يجوز تجريد أحد من مُلكه تعسّفاً.
كما نصّت المادة 30 من شرعة حقوق الإنسان على ما حرفيّته: «ليس في هذا الإعلان نصّ يجوز تأويله على نحو يُفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة أو أي فرد»، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحرّيات المنصوص عليها فيه.
إنّ المجلس الدستوري الفرنسي بلوَر الحدّ الفاصل ما بين سلطة البرلمان السياسية في التشريع وبين الحقوق والحرّيات الأساسية، ورفض تقليص الضمانات المعطاة في قوانين سابقة أو إلغاءها، لتمتعها بالحرّية الدستورية التي تلجم سلطة البرلمان في هذا المضمار. كما قضى المجلس الدستوري في قراره رقم 1/2002 تاريخ 31/1/2002: «على القانون أن يكون عادلاً وشاملاً لضمان غايات العدالة الإجتماعية». كما قضى المجلس الدستوري في قراره رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005: «إنّ القانون لا يمثل الإرادة العامة إلّا بقدر توافقه مع الدستور». وعلى السادة النواب أن يتذكّروا أنّ إقرار هذه القوانين المشبوهة تخالف الإرادة العامة وإرادة أصحاب الحقوق، ويحظر على المشترع أن يعود عن ضمانات وحقوق قانونية ذات طابع دستوري عملاً بمبدأ Effet Cliquet anti-retour.
لما كنّا قد نشرنا دراسة حول ما يُسمّى Effet Cliquet anti-retour في مجلة الحياة النيابية في لبنان - في المجلّد 134 - آذار 2025، جاء قرار المجلس الدستوري الموقر في قراره رقم 3 2025 تاريخ 2/5/2025 يتبنّى النظرية المذكورة. ونورد الفقرة الواردة في قرار المجلس الدستوري حرفياً: «وحيث أنّ المستدعين بموجب المراجعة رقم 2/2025 يدلون، على سبيل المثال، أنّ المادة 56 من المرسوم المطعون فيه التي تمنع جميع المؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والهيئات والمجالس والصناديق والمصالح المستقلّة والمصارف والشركات وأشخاص القانون العام على مختلف أنواعها وتسميتها المموّلة أو المملوكة كليّاً أو جزئياً من الدولة، أن تدفع بدل تأمين لموظفيها لتغطية الفروقات عمّا يغطّيه الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، تمسّ بضمانات وظيفية مكرّسة في متن النصوص المرعية الإجراء من شأن المساس بها أن يؤثر على الأمن الإجتماعي للفئة الإجتماعية المحدّدة في متنها. وطالبوا المجلس الدستوري بالتدقيق في ما إذا كانت الضمانات القانونية المنصوص عليها في الموازنة الجديدة هي على الأقل مساوية أو أكثر فعالية من الضمانات المتوافرة قبل صدورها، وهذا ما عُرف في الإجتهاد الفرنسي بعبارة Cliquet anti-retour، إذ يحظّر على المشرّع بمقتضى هذا التشبيه، أن يعود عن ضمانات وحقوق قانونية ذات طابع دستوري أو ميثاقي أو طبيعي أو لصيق بالإنسان، كان قد سبق له أن أقرّها، فيعمد المجلس الدستوري عندها إلى إبطـال أي نصّ قانوني أقلّ حماية للحرّيات والحقوق، بسبب حرمان صاحب الحقّ من ضماناته وحقوقه القانونية حرماناً كاملاً أو جزئياً، أو بسبب المسّ المباشر بهذه الحرّيات والحقوق والضمانات، وإنّه يقتضي تبعاً لذلك، إبطال جميع المواد الواردة في المرسوم المطعون فيه، والتي من شأنها العودة عن ضمانات مكرّسة متعلّقة بالحقوق والحرّيات والأمن الإجتماعي للمواطنين.
في العالم المتحضّر، الحكومات تسهر على المواطن، في لبنان المواطن قلق على مصيره ويحمل همّ حكومة لا يهمّها سوى تنفيذ رغبات الخارج ولا مَن يلتفت إليه. دولة صامتة ولا مَن يسمع منها حتى كلمة تطمئنه إلى حقوقه.
شكراً للحكومة التي أخذت منّا الزمن وأعطتنا الساعات، أخذت منّا الطفولة وأعطتنا الحليب المجفّف. مذكّرين بأنّ الزمن يمرّ بوجه سريع، يزول المرتكبون ويبقى التاريخ الذي لا يرحم. مؤكّدين أنّ هذا الإقتراح حفرة في الإنتظام العام، وتثاؤباً في طريق القانون. نتوجّه لدولة رئيس مجلس النواب وللسادة النواب، لأخذ الحيطة والحذر، لأنّ هذه القوانين التي تقترحها الحكومة هي زلزال مدمّر يدقّ حياة المودعين والإقتصاد الوطني، وعلى الحكومة أن تتوقف عن التسلية بحقوق المودعين، التي هي حقوق دستورية ولها إله يعرفها ويرعاها.