احتجاز رهائن محفوف بالمخاطر
احتجاز رهائن محفوف بالمخاطر
انطوان منسى

الرئيس السابق والعضو المؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا HALFA

Saturday, 10-Jan-2026 06:42

لقد أتاح المرسوم الصادر في 3 أيلول 1956، بما اتّسم به من مرونة ووجاهة، تدفّق رؤوس أموال آلاف الأجانب من مختلف أنحاء العالم إلى لبنان، ففتحوا حسابات مصرفية بثقة وأمان، ما أسهم في رفد خزائن مصارفنا. وهذه الرساميل، التي تُقدَّر بلا شك بمليارات الدولارات، شكّلت على مدى عقود، رافعة أساسية للنشاطين المصرفي والاقتصادي
في البلاد، فحفّزت الاستثمارات ووسّعت دائرة الإقراض.

أما السرّية المصرفية التي نَعم بها لبنان بفضل القانون الذي وضعه العميد ريمون إده، فقد كانت طويلاً وراء إطلاق صفة «سويسرا الشرق الأوسط» على بلد الأرز.
لكن، ماذا نرى اليوم، ويا للأسف؟ إنّ المتابعين من كثب للمشهدين السياسي والاقتصادي في لبنان يدركون سريعاً أنّه، بعد حملة تشهير غير مسؤولة ومدمّرة يقودها حالياً بعض الأفراد المتحمّسين في الوسط الاقتصادي، باتت الأمور تنزلق نحو مسار بالغ الخطورة. هؤلاء، عبر وسائل إعلام تفتح لهم الشاشات، يتحرّكون ضمن دائرة ضبابية شديدة الغموض، ويُمعنون في دفع الدولة إلى محاولة حجز ومصادرة جزء كبير من الرساميل الأجنبية المودَعة في المصارف اللبنانية منذ عقود، ووسمها تلقائياً بأنّها أموال غير مشروعة، من دون أي دليل في الوقت الراهن سوى ادّعاءات مفبركة.
هنا تتقاطع incompetence والجهل الفاضح، إلى جانب التجاوزات والمخالفات. لماذا؟ لأنّ من البديهي والمعروف للجميع أنّ مسؤولية التحقيق، عند الاشتباه، تقع على عاتق دول المنشأ، عبر تشكيل إنابات قضائية والتعاون مع السلطات اللبنانية للتحقق، لدى المصارف المعنية، من مصدر الأموال وملكيّتها. يُضاف إلى ذلك، إغفالٌ جوهري، سواء عن قصد أو عن غير قصد، يتمثل في أنّ مهمّة رصد المخالفين في هذا المجال تعود اليوم إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).
لقد أخفق لبنان سابقاً، وبصورة ارتجالية، في احترام التزاماته، حين امتنع عن سداد استحقاقات اليوروبوندز من دون التفاوض مع دائنيه. فهل نحن اليوم أمام خطأ جسيم ثانٍ، أشبه بعملية احتجاز رهائن حقيقية، من شأنها أن تزيد المناخ الاقتصادي سوءاً، وتوجّه ضربة قاضية إلى مؤسساتنا المالية عبر مخطط مفاجئ؟ إنّ ذلك سيعني القضاء على ما تبقّى من رأس مال الثقة، الذي تضرّر بشدّة، وفقدان المصداقية إلى الأبد.
إنّ من الضروري والعاجل أن يستفيق جميع المسؤولين في هذا البلد. فليس على هذا الطريق المشبوه سيستعيد لبنان الثقة، ولا قوّته، ولا حيَويته.

theme::common.loader_icon