إدمان الأشخاص: حين يتحوّل الحب إلى قيد نفسي
إدمان الأشخاص: حين يتحوّل الحب إلى قيد نفسي
آية يوسف المسلماني
Saturday, 10-Jan-2026 06:40

في السنوات الأخيرة، كَثُر الحديث عن إدمان المخدّرات والكحول، بوصفه واحداً من أخطر التحدّيات النفسية والاجتماعية. غير أنّ نوعاً آخر من الإدمان يمرّ بصمت، لا يُرى بالعين ولا يُصنَّف طبياً في الغالب، لكنّه لا يقلّ قسوةً وألماً: إدمان الأشخاص...

إنّه ذاك التعلّق المفرط بإنسان واحد، إلى حدّ يصبح فيه محور الحياة ومصدر الأمان والقلق في آنٍ معاً، فتتعلّق سعادتنا بحضوره، وحزننا بغيابه، واستقرارنا النفسي بمزاجه...
إدمان الأشخاص يشبه، في جوهره، أي إدمان آخر. فالمُدمن هنا لا يبحث عن مادة كيميائية، بل عن جرعة عاطفية متكرّرة: رسالة، مكالمة، اهتمام، أو حتى نظرة. ومع الوقت، تتحوّل العلاقة من اختيار حُرّ إلى حاجة قهرية، ومن شعور جميل إلى اعتماد يلتهم الذات.
يشرح عالِم النفس كارل يونغ، أنّ «أكثر ما نخشى مواجهته في داخلنا هو ما يسيطر علينا من الخارج». وفي هذا الإطار، يتحوّل الشخص المُدمَن عليه إلى سلطة خفية تتحكّم بإيقاع مشاعرنا وحياتنا.
الخطورة في هذا النوع من الإدمان، أنّه غالباً ما يُغطّى باسم «الحُب». غير أنّ الحُب، في جوهره، علاقة تفاعل ونمو، لا علاقة ذوبان وفقدان للهوية. الحُب يُضيف إلى الإنسان ولا يمحو ملامحه، بينما الإدمان العاطفي يفعل العكس تماماً.
وكما أنّ مدمن المخدّرات يحتاج إلى جرعات أكبر مع الوقت ليحصل على التأثير عينه، يحتاج مدمن الأشخاص إلى مزيد من الاهتمام والتأكيد المستمر ليشعر بالطمأنينة، فيدخل في دائرة لا تنتهي من القلق والخوف من الفقد.
وتشير الكاتبة الأميركية آن لاموت، إلى أنّ «الإعتماد العاطفي المفرط هو محاولة لسدّ فراغ داخلي بأدوات خارجية». هذا الفراغ غالباً ما يكون ناتجاً من نقص في تقدير الذات، أو من تجارب فقد سابقة، أو من خوف عميق من الوحدة. وهنا يصبح الشخص الآخر بمثابة «دواء موقت»، يسكّن الألم لكنّه لا يعالج أسبابه.
في الثقافة العربية، نجد إشارات مبكرة إلى خطورة التعلّق المرضي. يقول ابن القيم: «المحبّة إذا زادت عن حدّها صارت عذاباً»، وهو توصيف دقيق لحالة تتحوّل فيها المشاعر من طاقة حياة إلى عبء نفسي. فحين يخاف الإنسان من خسارة الآخر أكثر ممّا يخاف من خسارة نفسه، يكون قد انتقل من الحُب إلى الإدمان.
أمّا العلاج، فليس سهلاً، لكنّه ممكن. يبدأ أولاً بالإعتراف، تماماً كما في أي إدمان آخر. الاعتراف بأنّ ما نعيشه ليس حُباً صحياً، بل هو تعلّق مؤذٍ. ثم تأتي خطوة إعادة بناء العلاقة مع الذات: تعلّم الاكتفاء الداخلي، واكتشاف مصادر السعادة المستقلة عن الآخرين. ممارسة الهوايات، الكتابة، القراءة، والعمل على تطوير النفس ليست أنشطة جانبية، بل أدوات علاج حقيقية.
كذلك، من الضروري إعادة تعريف الحُب بوصفه اختياراً واعياً لا حاجة إنقاذية، فالشريك أو الصديق ليس مسؤولاً عن ترميم كسورنا الداخلية. وفي حالات التعلّق الشديد، قد يكون اللجوء إلى مختص نفسي خطوة شجاعة، لا علامة ضعف.
في النهاية، لا يدعو الحديث عن إدمان الأشخاص إلى العزلة أو القسوة العاطفية، بل إلى التوازن: أن نحب من دون أن نذوب، وأن نرتبط من دون أن نفقد ذواتنا. فإدمان الأشخاص، وإن بدا أقلّ وضوحاً من إدمان المخدّرات، إلّا أنّه لا يقلّ عنه تدميراً، لأنّه يسلب الإنسان نفسه من دون أن يشعر.
وربما تكمن أخطر نتائج إدمان الأشخاص في أنّه يؤجَّل دائماً تحت مسمّى المشاعر النبيلة، فلا يُعالَج في وقته، بل يُترك ليستنزف الإنسان ببطء. ومع تراكم الخيبات، يكتشف المرء أنّه كان يراهن على الآخرين أكثر ممّا راهن على نفسه، وأنّه سلّم مفاتيح طمأنينته لِمَن لا يملك بالضرورة القدرة أو الرغبة في حمايتها.
التعافي من هذا النوع من الإدمان لا يعني القطيعة مع الحُب، بل المصالحة معه على نحوٍ أكثر نضجاً. يعني أن نتعلّم وضع حدودٍ تحمي إنسانيّتنا، وأن نُميِّز بين المشاركة والتعلّق، وبين الاحتياج الطبيعي والاعتماد المُرهق. فالعلاقات الصحية لا تُبنى على الخوف من الفقد، بل على الثقة والاحترام المتبادل.
في عالمٍ هشّ، نحتاج إلى علاقات تُقوّينا لا تُنهكنا، تُشبهنا ولا تبتلعنا. نحتاج إلى حب يُشبه الحياة: متحرّك، متوازن، قابل للنمو، لا سجناً ناعم الجدران. وعندما نستعيد أنفسنا من قبضة التعلّق، لا نخسر أحداً، بل نربح حرّيتنا الداخلية. وتلك هي أولى خطوات الحب الحقيقي.

theme::common.loader_icon