يقدّم جيم جارموش ثلاثية غير متكافئة، حصدت جائزة في البندقية، ويحتفظ بأفضل فصولها للنهاية. فاز جيم جارموش بالجائزة الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في أيلول عن فيلمه «الأب الأم الأخت الأخ»، وهي نتيجة مُرضية في أي عام. مخرج حافظ على التزامه بجماليّته الغريبة الأطوار منذ اختراقه الساحة بفيلم «أغرب من الجنة» (1984)، جارموش هو صانع أفلام، يكنّ له تقريباً كل ركن من أركان محبّي السينما قدراً من المودّة.
لكنّ «الأب الأم الأخت الأخ» ليس إنجازاً تتويجياً، ولا سيما إذا قورن بـ«باترسون» (2016) قبل أقل من عقد. الفيلم الجديد، الهادئ حتى وفق معايير جارموش، يُعيد الكاتب-المخرج إلى نمطه الأنطولوجي المألوف. فهو يجمع بين بنية الثلاثية في «قطار الغموض» (1989)، حيث تلاقت 3 مجموعات متباينة من الشخصيات في فندق رخيص في ممفيس، وفكرة التنقّل بين البلدان في «ليلة على الأرض» (1991)، الذي راقب 5 رحلات بسيارة أجرة في 5 مدن.
هذه المرّة، يفتتح جارموش الفيلم بأداء آسر لأغنية «سبوكي» بصوت الموسيقية أنيكا، ويقدّم 3 حكايات في 3 أماكن: نيوجيرسي، ودبلن، وباريس. تتمحور القصص الثلاث حول الآباء وأبنائهم البالغين. تظهر بعض الثيمات (متزلّجو ألواح، ساعات المعصم، وعبارة «بوب عمّك») في كل فصل، غالباً مع انعطافات غير متوقعة، وتتآلف القصص بطرق رقيقة. لكنّها ليست متساوية في الجودة.
يبدأ الفصل الأول، «الأب»، بقطع متناوب بين الشخصية التي يحمل الفصل اسمها (توم وايتس) وأطفاله، جيف وإميلي (آدم درايفر ومايم بياليك)، وهم في طريقهم لزيارته للمّرة الأولى منذ فترة. تتساءل إميلي عن الكيفية التي يعيش فيها والدهم بالضبط، وهو وحيد في ما يبدو منطقة نائية مشجّرة في نيوجيرسي. لا يمكن أن تكون هناك شيكات ضمان اجتماعي، إذ إنّه لم يشغل وظيفة حقيقية قط. ويكشف جيف أنّه أعطاه مالاً لإصلاحات.
يصلان ليجدا أباهما أشعثَ المظهر، وربما بحاجة إلى دواء، وفي لحظة مقلقة-غير ثابت وهو يحمل فأساً. منزله في حالة يرثى لها، ولا يملك ما يقدّمه تقريباً سوى الماء (مشروب كانت أمّهما تحبّه، كما يلاحظ بنبرة أشبه بالاعتذار؛ وتطفو أحاديث شرب الماء في الفصول الثلاثة). اللقاء محرج، ويضبط جارموش إيقاعه على هذا النحو، قبل أن ينتهي إلى خاتمة تصلح أكثر لفقرة اسكتش. ومع ذلك، يُحسب للمخرج أنّه قلّل من شأن كشفٍ قد يدفع مخرجين آخرين إلى انتزاع ضحكة سهلة.
أمّا فصل دبلن المتمدد على نحو مماثل، «الأم»، فيُقدّم أكبر فجوة بين المواهب المشاركة وضآلة مادة الحكاية. فهو يعكس أساساً دينامية «الأب»: هنا الأم (شارلوت رامبلينغ)، كاتبة، هي الناجحة، بينما تعيش ابنتاها، ليليث (فيكي كريبس) وتيموثيا (كيت بلانشيت)، في حالة سيولة وعدم استقرار. لا تريانها سوى مرّة واحدة في السنة، لشرب الشاي، وتحاولان قدر الإمكان كبح مرارة عالقة، مع إخفاء ليليث بحذر حقيقة أنّها على علاقة بامرأة. لكنّ الحلقة، ربما عن قصد، لا تدبّ فيها الحياة، كأنّها مكبوحة بتردّد الشخصيات نفسها في التواصل. وحتى لو كانت تيموثيا، كما تقول أمها، «ضائعة قليلاً في العالم»، فإنّ بلانشيت، التي تكاد لا تُعرف بشعرها الأحمر القصير ونظارتها، نادراً ما جذبت قدراً أقل من الانتباه.
غير أنّ الفصل الثالث، «الأخت الأخ»، جميل إلى حدّ يدفع إلى إعادة النظر في الفصلَين الأولَين. يقوم ببطولته إنديا مور ولوكا سابات بدور سكاي وبيلي، توأمَين يلقيان نظرة أخيرة على شقة والديهما البوهيميَّين في باريس. يتشاركان الذكريات، يتفحّصان الصور، ويتحادثان بلغة اختزال مقنعة تماماً ينسبانها إلى «عامل التوأم». أداء مور وسابات رائع، وهو الفصل الوحيد الذي يبدو فيه الأبناء ووالداهم شخصيات متخيّلة على نحو كامل - على رغم من أنّ الأم والأب، اللذَين لقيا حتفهما في حادث تحطّم طائرة قبل بدء الأحداث، لا يظهران إلّا في الصور.
وعندما يُدخل التوأمان شريط «8 المسارات» لتشغيل أغنية أمّهما المفضلة (نسخة داستي سبرينغفيلد من «سبوكي»)، يمنحان «الأب الأم الأخت الأخ» تناظراً مُرضياً. إنّها فاصلة مدهشة، وجارموش فيها في أفضل حالاته.