عندما يُطرح سؤال بسيط مثل: «كيف نمت؟»، غالباً ما يأتي الجواب محصوراً بعدد ساعات النوم أو بعدد مرّات الإستيقاظ ليلاً. غير أنّ خبراء النوم يشيرون إلى عنصر ثالث لا يقلّ أهمية، لكنّه مهمَل على نطاق واسع: انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ.
نصف ساعة صعوداً أو هبوطاً
إنتظام النوم يعني الحفاظ على وقت ثابت تقريباً للنوم والاستيقاظ، مع هامش لا يتجاوز نصف ساعة صعوداً أو هبوطاً، بما في ذلك عطلات نهاية الأسبوع. هذا الانضباط الزمني، وفق باحثين في طب النوم، يلعب دوراً حاسماً في صحة الإنسان، وربما أكثر ممّا نتصوّر.
الدراسات الحديثة تُظهر أنّ غالبية البالغين لا يلتزمون بجدول نوم ثابت، ممّا قد ينعكس سلباً على صحتهم العامة. وعلى رغم من أنّ معظم الأبحاث قائمة على دراسات رصدية لا تُثبت العلاقة السببية بشكل قاطع، فإنّ أنماطاً مقلقة بدأت تتكرّر. الأشخاص الذين يُغيِّرون مواعيد نومهم باستمرار يبدون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، السمنة، واضطرابات الصحة النفسية مثل القلق والاكتئاب، وحتى الخرف.
الإصابة بالخَرَف بنحو 50%
إحدى الدراسات التي تابعت نحو 2000 شخص في منتصف العمر وكبار السنّ، وجدت أنّ مَن يملكون أكثر الجداول اضطراباً في النوم كانوا معرّضين للإصابة بأمراض القلب بأكثر من الضعف، مقارنةً بمَن يحافظون على مواعيد منتظمة. دراسة أخرى أوسع شملت عشرات الآلاف من المشاركين، خلُصت إلى أنّ اضطراب النوم المزمن يرفع خطر الإصابة بالخرف بنحو 50%.
العلماء لا يعرفون بدقة متى يصبح عدم الانتظام خطراً حقيقياً، أو كم مرّة يجب أن يتكرّر حتى تظهر آثاره، لكنّ الاتجاه العام واضح: كلّما ابتعد الإنسان عن ساعته المعتادة للنوم، سواء خلال أيام متقاربة أو على مدى أسابيع، زادت المخاطر الصحية.
التفسير الأكثر ترجيحاً يرتبط بما يُعرف بالساعة البيولوجية أو الإيقاع اليومي للجسم، وهو نظام داخلي يمتد على مدار 24 ساعة ويُنظِّم النوم واليقظة، الهرمونات، التمثيل الغذائي، وظائف القلب والمناعة، وحتى الشهية والمزاج. عندما يختل هذا الإيقاع بسبب السهر أو النوم المتأخّر، تتعطّل معه هذه الوظائف. قد يُفرَز هرمون التوتر في أوقات غير مناسبة، ما يرفع مستويات الالتهاب ويؤثر على صحة القلب والتمثيل الغذائي على المدى الطويل.
عدم الانتظام قد يدفع أيضاً إلى الشعور بالجوع في أوقات غير مألوفة، مثل ساعات الليل المتأخّرة، ممّا قد يؤدّي إلى مشكلات هضمية أو زيادة الوزن مع الوقت.
النوم المنتظم ليس سهلاً.. والسبب
الحفاظ على نوم منتظم ليس سهلاً في ظل ضغط العمل والدراسة والحياة الاجتماعية، لكنّ خطوات بسيطة قد تصنع فارقاً. من المفيد ضبط منبّه يذكّر بموعد الاستعداد للنوم، وتخصيص ساعة هادئة قبل السرير للقراءة أو الاسترخاء. كما يُنصح بالتعرّض لضوء الشمس صباحاً في الوقت نفسه يومياً، لأنّ الضوء هو الإشارة الأساسية التي تضبط الساعة البيولوجية، وتُعلِم الجسم متى يحين وقت النوم لاحقاً.
قد لا يشعر المرء بالإرهاق الفوري نتيجة نوم غير منتظم، لكنّه استنزاف صامت. ومع مرور الوقت، يُثبت أنّ الثبات في مواعيد النوم ليس رفاهية، بل استثمار طويل الأمد في صحة الجسد والعقل.