سنة أولى من عهد عون: هيبة الرئاسة وإنجازات وتحدّيات
سنة أولى من عهد عون: هيبة الرئاسة وإنجازات وتحدّيات
جريدة الجمهورية
Friday, 09-Jan-2026 07:55

مرّت سنة على تولّي رئيس الجمهورية جوزاف عون منصبه، في ظل أخطر التحدّيات التي تواجه لبنان، وخصوصاً إزاء استمرار الإعتداءات الإسرائيلية، تدافع الأحداث الإقليمية والدولية، ومعاناة لبنان منذ سنوات من تداعيات الأزمة المالية. ويمكن استحضار خطاب القَسَم، الذي ألقاه الرئيس عون عند انتخابه، لمعرفة ما تحقّق منه، في العام الأول من عُمر العهد الرئاسي، ومضي رئيس الجمهورية في تنفيذ التزاماته.

أظهرت سنة العهد الأولى أنّ الرئيس جوزاف عون ثبّت هيبة رئاسة الجمهورية، في السياسات الداخلية والخارجية. وأوحت متابعاته لكل التفاصيل، قدرته على فرض موقع الرئاسة الأولى، في كل مساحات القرار، ضمن الصلاحيات التي ينصّ عليها الدستور اللبناني. فشكّلت بعبدا، محور الإجتماعات والإتصالات، لصنع القرار اللبناني.

 

إتّبع الرئيس عون استراتيجية احتواء التصعيد، لإحراج المجتمع الدولي، نتيجة استمرار الإعتداءات الإسرائيلية ضدّ لبنان. وتبيّن التزامه، بشكل واضح، في ملف التفاوض مع إسرائيل، وتعيين شخصية مدنية (السفير السابق سيمون كرم) لرئاسة الوفد اللبناني، في لجنة «ميكانيزم»، تماشياً مع السياق الدولي، بهدف وقف الحرب الإسرائيلية، وفرض تطبيق القرارات الدولية، إعادة الإعمار، وعودة المهجّرين. وهو ما ترجم خطاب القَسَم، بشأن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بدءاً من قرار مجلس الوزراء، على أساس خطة الجيش اللبناني، التي أنجزت أهداف المرحلة الأولى في جنوب الليطاني، بعدما كان تعهّد رئيس الجمهورية، في خطاب القَسَم، بممارسة دوره كقائد أعلى للقوات المسلّحة، وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع، عندما أعلن: «أعمل على تأكيد حق الدولة، في احتكار حمل السلاح... وتطبيق القرارات الدولية، احترام اتفاق الهدنة، ومنع الإعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية».

 

ويدلّ تعاطي بعبدا مع هذا الملف، إلى حرص الرئيس عون، على تحقيق الهدف الوطني، في شأن سيادة الدولة، مع مراعاة السلم الداخلي في إطار التوازن الوطني، فلم يدخل رئيس الجمهورية في مساحة المزايدات، ولا السباق السياسي الداخلي، في مقاربة ملف السلاح المفتوح.

 

أولوية الأمن

لم يكن يتخيّل أحد أنّ السلطات اللبنانية، ستحقّق نجاحاً في ملاحقة العصابات، ضرب البؤر الأمنية، وتوقيف المتورّطين، ومن بينهم كبار تجار المخدّرات، الذين استعصوا على الدولة اللبنانية منذ عقود طويلة. وهو ما كان شدّد عليه رئيس الجمهورية في خطاب القَسَم، عندما أعلن: «إذا أردنا أن نبني وطناً، علينا أن نكون جميعاً تحت سقف القانون... لا مافيات أو بؤر أمنية، ولا تهريب، أو تبييض أموال، أو تجارة مخدّرات، ولا تدخُّل في القضاء، ولا تدخُّل في المخافر، ولا حمايات أو محسوبيات...».

 

ويتظهّر ذلك في متابعة رئاسة الجمهورية، عبر الحكومة والأجهزة العسكرية والأمنية، بشكل يومي، لكل ملف وعنوان أمني، بعد توجيه مؤسسات الدولة إلى محاسبة المرتكبين، وتوقيف المتورّطين، تحت طائلة تحمّل المسؤولية.

ويتقصّد الرئيس عون زيارة دوائر مؤسسات الدولة، بشكل دوري، لتوجيه المعنيِّين، والإطّلاع من قرب على إنجازاتهم وخطط عملهم.

 

إنتظام مؤسسات الدولة

مرّت سنوات طويلة عانت فيها مؤسّسات الدولة، من شلل جرّاء الفراغ في الإدارات، بشكل صارت فيه معظم المؤسسات العامة، تُدار بالتكليف. ما جعل العهد الرئاسي يضع انتظام عمل الدولة ومؤسساتها، كأولوية، أنتجت إجراء تعيينات وتشكيلات إدارية وعسكرية وقضائية. وأظهرت محطات التعيين، توجيهات الرئيس عون للمعنيِّين في الوزارات، بأن تكون الكفاءة معياراً، وأن تُقدّم المكوّنات أفضل ما لديها من كفاءات علمية، بحسب ما تقتضيه الأصول والأعراف السائدة.

 

كما جرت الإنتخابات البلدية في موعدها، بعد رفض الرئيس عون تأجيلها، وإصراره على إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها أيضاً، ورفض التأجيل أيّاً كانت الإعتبارات. وهو ما سيبتّه مجلس النواب، الذي سينظر بالإقتراحات والمشاريع، ويقرّر شكل القانون الإنتخابي.

 

شبكة أمان داخلية

شكّلت بعبدا في العهد الرئاسي الحالي، عامل جمع بين مكوّنات البلد السياسية والطوائفية، تطبيقاً لما أورده في خطاب القَسَم: «مهما اختلفنا، عند الشدّة نحضن بعضنا، لأنّه إذا انكسر أحدنا انكسرنا جميعاً»، ممّا عزّز ثقة المكوّنات برئيس الجمهورية، الذي لم يتراجع عن قناعاته ولا التزامه ببنود خطاب القَسَم، ومدّ اليد إلى القوى، بغاية فرض شبكة أمان داخلية، تهدف لتوحيد الجهود في مواجهة أخطر التحدّيات التي تمرّ على لبنان. وتبيّن ذلك من خلال تميّز العلاقات بين بعبدا وعين التينة، خصوصاً أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي، يلعب دوراً أساسياً في ملف الجنوب ومقاومة الإعتداءات الإسرائيلية.

 

إحياء علاقات لبنان الدولية

انطلق الرئيس عون ممّا أورده في خطاب القَسَم، بأن يُقيم «أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، انطلاقاً من أنّ لبنان عربي الإنتماء والهوية، وأن نبني الشراكات الاستراتيجية مع دول المشرق والخليج العربي وشمال إفريقيا، وأن نمنع أي تآمر على أنظمتها وسيادتها، وأن نمارس سياسة الحياد الإيجابي». وهذا ما حصل فعلاً، وعبّرت الدول العربية عن ثقتها بأداء لبنان في المرحلة الحالية.

 

وقام الرئيس عون بزيارات عدة إلى الخارج، ثبّت فيها دور لبنان، وسط استعداد عربي ودولي لمؤازرة اللبنانيِّين. وهو ما يُنتظر أن يترجم في محطات إعادة الإعمار، بعد وقف الحرب الإسرائيلية.

 

تحدّيات أمام لبنان

تشكّل الحرب الإسرائيلية أبرز التحدّيات، خصوصاً أنّ تداعياتها كبيرة، بما يتعلّق بحجم المخاطر والمهجّرين وإعادة الإعمار. وإذا كان رئيس الجمهورية يمضي في سياساته، لوقف الحرب، إلّا أنّ المسار خاضع لتوازنات الإقليم، ونوايا إسرائيل: هل تتدافع الأحداث نحو فوضى واسعة؟ يُثبت سلوك لبنان أنّه يسعى إلى تجنّب تلك التداعيات، ممّا يوحّد السلوك الوطني للمسؤولين اللبنانيِّين.

 

يواجه البلد تحدّياً خطيراً، في ما يتعلّق بالملف المالي، خصوصاً أنّ الإستقرار القائم الآن، يتطلّب معالجة أزمة المودعين. لتُشكّل تلك المعالجة المطلوبة، مدخلاً طبيعياً، لاستقرار مُستدام. ومن هنا يأتي رصد التعاطي مع قانون الفجوة المالية، في ظل الإقتراحات أو الإعتراضات حول بنودها وأرقامها. وتأتي طبيعة المعالجة لتعكس الرغبة بالعدالة المجتمعية، خصوصاً أنّ الدولة اللبنانية معنيّة بإنصاف أصحاب الحقوق، وترسيخ استقرار اقتصادي، بعدما عمل لبنان على تثبيت آلية نقدية، حققت له نجاحاً، وجنّبت البلد مزيداً من الخضات واللعب في أسعار الصرف، والإبتعاد عن الأموال المشبوهة، وسط رضى المجتمع الدولي.

theme::common.loader_icon