الودائع المصرفية قيمة معنوية: الأمانة والثقة وشرعية الحاكم
الودائع المصرفية قيمة معنوية: الأمانة والثقة وشرعية الحاكم
طوني عطاالله
Friday, 09-Jan-2026 07:28

ليست «الوديعة» مجرّد مصطلح قانوني أو مالي قيد التداول في النقاشات التقنية حول المصارف والنقد، بل هي في جوهرها قيمة أخلاقية ومعنوية تقوم على الثقة، وتُشكّل أحد الأسس غير المكتوبة التي تُبنى عليها علاقة المواطن بالقطاع المصرفي وتالياً بالدولة الضامنة. فالوديعة، قبل أن تكون عقداً مدنياً أو التزاماً مصرفياً، هي أمانة، وكل إخلال بالأمانة هو في العمق كسرٌ لعقد الثقة (Jean-Jacques Rousseau, Du Contrat Social ou Principes du droit politique, 1762).

في الثقافة العربية والإنسانية، الوديعة ترتبط بما هو أسمى من المال. يُقال الأولاد «وديعة الله»، الوطن «وديعة الأجيال»، والسلطة نفسها وديعة في يَد مَن يتولّاها. من هنا، لا يمكن مقاربة أزمة الودائع في لبنان كمسألة مالية قانونية فحسب، بل يجب فهمها كأزمة معنوية-سياسية-وجودية تطاول مفهوم الدولة ذاته. إمّا أن تكون الدولة دولة أو لا تكون!

 

وفي هذا السياق، ليست السلطة إمتيازاً أو حقاً أبدياً، بل وديعة موقتة في يَد مَن يتولّاها، تخضع لمنطق الأمانة لا لمنطق التملّك. تلخّص هذا المعنى بكثير من البلاغة بالعبارة المدوّنة على مدخل السراي الحكومي بمبادرة من الرئيس الشهيد رفيق الحريري: «لو دامت لغيرك لما آلت إليك»، هي حكمة عربية شهيرة مستقاة من تراث عربي وإسلامي، للتذكير بأنّ مَن يُفرّط بالأمانة لا يمكنه أن يدّعي الشرعية، وأنّ السلطة التي تُبنى على خيانة الثقة لا تدوم! (Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Seuil, 1990).

 

لقد بيّن الدكتور أنطوان مسرّه، في مقاربته الدقيقة لمفهوم الوديعة (تراجع مقالته بعنوان: «ما معنى وديعة وودائع مصرفية في لبنان؟)، أنّ الخلط المتعمّد بين الوديعة والاستثمار ليس مجرّد خطأ قانوني، بل انحراف في المعنى، وتلاعب بمفهوم الأمانة. فالمودِع لم يخاطر، ولم يستثمر، ولم يسعَ إلى ربح، بل سلّم ماله على أساس الحفظ والضمان والاستعادة. وحين تُنتهك هذه القاعدة، لا تسقط العلاقة المصرفية فقط، بل تسقط معها الثقة العامة.

 

لكنّ الأخطر من ضياع المال، هو ضياع الشرعية. فالشرعية (Légitimité) ليست مجرّد نص دستوري، ولا إجراءً انتخابياً فحسب، بل هي قبول الناس بسلطة حاكمة على أساس الثقة أي ثقة الناس بالحكم (Max Weber, Economie et société, Tome premier, trad. de l›allemand, Paris, Plon, 1971.). فلا سلطة شرعية بلا ثقة، ولا ثقة بلا احترام للودائع، لأنّ الوديعة هي التعبير الأكثر حساسية وارتباطاً في علاقة المواطن بالدولة. وتتجسّد في المعادلة التالية: أضع مالي بين يدَيك لأنّني أثق بك وأؤمن بك.

 

من هنا، يُصبح أي مشروع قانون، وأي خطة إنقاذ، وأي إصلاح مالي، بلا قيمة فعلية إذا افتقر إلى شرطه الأول: استعادة الثقة. وكيف تُستعاد الثقة إذا لم تُستعاد الودائع بصفتها ودائع وأمانات؟ وكيف تُقنِع الدولة مواطنيها بقبول تضحيات جديدة، فيما الأمانة الأولى ما زالت مهدورة؟

 

إنّ عدم استعادة الودائع لا يعني فقط إفلاس النظام المصرفي، بل يعني الدخول في أزمة شرعية شاملة: دولة تطلب طاعة مواطنين ولا تحترم الأمانة، تشرّع ولا تُقنع، تحكم بلا قبول من الناس. إنّها حال الأنظمة المنهارة أو على وشك الإنهيار! وفي هذه الحال، لا يعود السؤال اقتصادياً، بل وجودياً: هل ما زلنا أمام حكومة ضامنة، أم أمام سلطة فاقدة للمعنى؟

 

إنّ الوديعة، في بعدها المعنوي، هي اختبار أخلاقي للدولة ومسؤوليها. فإذا فشلت في هذا الاختبار، سقطت الثقة، تآكلت الشرعية، وانعدم الأمل. إذ لا قيام لدولة، ولا نهوض لمجتمع، ولا مستقبل لوطن، من دون إعادة الإعتبار للوديعة كأمانة، وللثقة كركن من أركان الكيان، ولحقوق المواطنين كأساس لمفهوم الشرعية والحُكم والعدل.

theme::common.loader_icon