كثيرون يبدأون بمراجعة علاقتهم بالكحول من دون أن يكونوا «مدمنين» بالمعنى الطبّي للكلمة. القصة غالباً أكثر هدوءاً وتعقيداً. هذا ما اختبرته الكاتبة سيسيلي ماك، التي كانت تشرب يومياً قبل أن تتوقف منذ 8 سنوات، معتبرةً أنّ الكحول يُخفِّف «حدّة الحياة» ويجعل الاختلاط الاجتماعي ممكناً.
متى أبدأ ومتى أتوقف؟
لكنّ ماك اكتشفت لاحقاً أنّ جزءاً كبيراً من تفكيرها كان يدور حول تفاصيل الشرب: هل أشرب الليلة؟ كم كأساً؟ متى أبدأ ومتى أتوقف؟
هذا الانشغال الذهني الدائم، وفق أطباء مختصين، يُعدّ من «الإشارات الناعمة» التي قد تدلّ إلى ضرورة التوقف ومراجعة العلاقة مع الكحول. المشكلة أنّ الكحول حاضرة بقوّة في ثقافتنا اليومية، ما يجعل اكتشاف هذه الإشارات أمراً صعباً، حتى عندما يشعر الشخص بعدم ارتياح داخلي تجاه عاداته.
حتى الكمّيات المعتدلة قد تضرّ بالصحة
تشير استطلاعات حديثة إلى أنّ نحو نصف الأميركيِّين يحاولون التقليل من شرب الكحول، وأنّ غالبية المشاركين باتوا يعتقدون أنّ حتى الكمّيات المعتدلة قد تضرّ بالصحة. ضمن هذا السياق، يلفت خبراء إلى مجموعة علامات تستحق الانتباه.
أولى هذه العلامات هي محاولة التقليل من الشرب والفشل المتكرّر في ذلك. عندما يضع الشخص هدفاً واضحاً للحدّ من الكحول ولا يستطيع الالتزام به، فهذه إشارة تستدعي التوقف عندها بجدّية. بعض الأطباء يرَون أنّ تجارب موقتة مثل «كانون الثاني بلا كحول» قد تكون اختباراً بسيطاً وآمناً لفهم العلاقة مع الشرب من دون ضغط القرار النهائي.
علامة أخرى تتمثل في عدم معرفة الكمية الحقيقية التي يستهلكها الشخص. فقد يتراكم الشرب تدريجاً، من دون وعي، أثناء مشاهدة مباراة أو لقاءات متكرّرة. ينصح مختصّون بتدوين كل ما يُشرب خلال أسبوع واحد بدقّة، لأنّ النتيجة غالباً تكون مفاجئة.
كذلك، الاعتماد على الكحول لتجاوز مناسبات اجتماعية أو لتخفيف التوتر بعد يوم طويل يُعدّ مؤشراً مهمّاً. هنا يُطرح سؤال جوهري: لماذا أحتاج هذا الكأس؟ هل هو للهروب من القلق، أم لرفع الثقة بالنفس؟ الإجابة قد تفتح الباب أمام بدائل صحية، كالمشي، التأمل، أو حتى العلاج النفسي.
ومن العلامات اللافتة أيضاً الشعور بالذنب أو الحالة الدفاعية عند الحديث عن الشرب. الانزعاج من ملاحظات الآخرين ليس تفصيلاً عابراً، بل رسالة داخلية تستحق الإصغاء.
أخيراً، يُشدِّد الخبراء على أهمية طلب الدعم، سواء عبر الحديث مع طبيب أو معالج، أو الانضمام إلى مجموعات دعم حضورية أو افتراضية. الخيارات كثيرة ومتنوّعة، والبحث عن المجموعة المناسبة يُشبه، كما يقول أحد المختصّين، تجربة أكثر من بنطال جينز إلى أن تجد المقاس الصحيح.