لماذا يشكّل قانون الفجوة المالية خياراً أفضل للمودعين؟
لماذا يشكّل قانون الفجوة المالية خياراً أفضل للمودعين؟
د. باتريك مارديني

مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق

Thursday, 08-Jan-2026 07:21

أثار إقرار مجلس الوزراء لمشروع «قانون الفجوة المالية» انتقادات واسعة، تتعلّق بطريقة توزيع الخسائر وتسلسل الإصلاحات المقترحة. ومن الطبيعي أن تُحدِث الخسائر صدمة كبيرة لدى المودعين، وأن تُثير شعوراً بالغضب والإحباط، خصوصاً أنّهم لم يكونوا مسؤولين عن قرارات الإدارة المصرفية أو المخاطر التي تحمّلها المصرف. وممّا لا شكّ فيه، أنّ هذه المشاعر مبرّرة بل ومفهومة؛ فالخسارة المالية دائماً ما تكون صعبة على أي فرد.

ومع ذلك، فمن الضروري الفصل بين اللوم والمسؤولية من جهة وبين الواقع المالي من جهة أخرى. فالودائع لدى المصارف تبلغ 85 مليار دولار، بينما لا تتعدّى قيمة الموجودات في المصارف 15 مليار دولار، بمعنى أنّ ثمّة خسارة بقيمة 70 مليار دولار لا تستطيع القوانين أو الوعود أن تمحوها. وتجاهل هذه الحقيقة لن ينقذ أحداً، بل سيُحوّل المشكلة إلى خسائر خفية تذوب خلالها أموال المودعين على مدى سنوات غير محدودة، وتغرق معها البلاد في قاع الركود الاقتصادي، كما ستستمرّ الأزمة والبطالة والفقر لأجلٍ غير مسمّى، تماماً كما حصل في السنوات الماضية.

 

وعادةً ما يشكّل تأمين الودائع في مثل هذه الأزمات نقطة الانطلاق لأية معالجة. ففي أيسلندا مثلاً، وخلال الأزمة المالية في العام 2008، بلغ تأمين الودائع حوالى 20 ألف يورو، فسُدِّد هذا المبلغ فقط لا غير لكل حساب في الفروع الأجنبية للمصارف الأيسلندية، والتي تركّزت في المملكة المتحدة وهولندا، بينما حُوِّل الجزء المتبقي من «الودائع الكبيرة» إلى أسهم في المصارف أو تخفيض قيمتها (Haircut). ومع ذلك، فقد أصدرت الحكومة الأيسلندية بالتوازي قانوناً طبّقت من خلاله ضماناً شاملاً للمودعين المحليِّين حصراً. أمّا في أزمة قبرص في العام 2013، فشملت الحماية أصحاب الودائع التي تقلّ عن 100 ألف يورو، بينما حُوِّلَت معظم الودائع التي تزيد عن هذا المبلغ إلى أسهم في المصرف أو خُفِّضت مباشرة.

 

وفي لبنان، يبدو الواقع أكثر صعوبة، إذ يبلغ ضمان الودائع 75 مليون ليرة لبنانية، بمعنى أنّ التعويض عند انهيار المصارف يقتصر على نحو 840 دولاراً أميركياً على سعر الصرف الحالي. ومن الطبيعي أن يشعر المودعون بالصدمة والظلم في ظل هذا الوضع، لأنّ هذه أموالهم المكتسبة بجهدهم وعرق جبينهم. ومع ذلك، فقد تدخّلت الحكومة عبر قانون الفجوة، وفي خطوة مهمّة لصالح المودعين، فرفعت سقف التعويض إلى 100,000 دولار أميركي، ما يضمن حماية أكبر للمودعين على رغم من التحدّيات الكبيرة التي تواجه تأمين هذا المبلغ. وبهذا الشكل، يكفل القانون المقترح الودائع إلى مستوى يتماشى إلى حدٍّ كبير مع الممارسات الدولية.

 

أمّا ما يتجاوز هذا المبلغ، فسيُحوَّل إلى أوراق مالية صادرة عن مصرف لبنان ومدعومة بالأصول، وهو خيار يوفِّر أماناً أكبر بكثير للمودعين مقارنةً بأسهم في مصرف قد يواجه صعوبات. كما يؤمِّن مثل هذا الخيار نِسَب استرداد أفضل من الودائع القديمة المحتجزة في المصارف، والتي تُسيَّل باقتطاع يصل إلى حوالى 80% عبر الشيك بنكير. ومن الطبيعي أن يشعر المودعون بالقلق حيال هذه الأموال، فقيمتها السوقية لن تكون ثابتة، بل ستعتمد على الوضع الاقتصادي العام في لبنان وعلى حالة المالية العامة والانضباط المالي للحكومة. ومن هنا تبرز أهمية إجبار الحكومة على الاستمرار في إنتاج فوائض من ضمن الموازنة العامة تسمح بزيادة موجوداتها لدى مصرف لبنان، ما يُحسِّن من قيمة هذه السندات ويرفع نسب الاسترداد.

 

ولا يُعيد القانون المقترح أموال المودعين بالكامل، وهو واقع أليم، إلّا أنّ توزيع الخسائر فيه يعكس حرصاً على العدالة عبر معالجة الودائع غير المنتظمة بطريقة مشابهة لما حصل في قضية بيرنارد مادوف. وتعتمد هذه المقاربة على صافي التدفق النقدي، أي احتساب الأموال الداخلة محسومةً منها الأموال الخارجة (Cash in - Cash out). وبهذه الطريقة، تُشطَب الأرباح الوهمية، أي تلك التي دُفعت من أموال المودعين، بدلاً من أن تدُفع من عوائد استثمارات فعلية. وتشمل هذه الأرباح في الحالة اللبنانية، على سبيل المثال لا الحصر، تجارة الشيكات وفروقات سعر الصرف والفوائد المرتفعة وأرباح المصارف من الهندسات المالية، وهي بمجملها لم تُسدَّد من أموال المودعين. ففي حال مَن اشترى شيكاً بقيمة 100 ألف دولار مقابل 20 ألفاً، تُعدّ الـ80 ألفاً أرباحاً وهمية لا يمكن أن تُسَدَّد له. كما يجب أن تشمل المعالجة الأموال القابلة للاسترجاع التي حُوِّلت إلى الخارج بشكل غير عادل، تماماً كما حصل مع مادوف، عبر آليات الاسترداد القانوني (Clawback). وبهذه الطريقة، تُوزَّع الخسائر بعدالة نسبية ويستعيد النظام المالي جزءاً من توازنه، بما يسمح بإعادة تحريك الاقتصاد.

 

أمّا تحديد المسؤوليات والمساءلة، فهو ضروري وينبغي تفعيله لمحاسبة المسؤولين عن سرقة العصر، ولضمان عودة الثقة في القطاع المالي، لكنّ هذا المسار لا يكون عادةً جزءاً من قانون الفجوة، بل يُعالَج بآليات مستقلة. ولعلّ المثال الأبرز الذي أنتج محاسبة حقيقية هو نموذج أيسلندا التي أصدرت قانون الانتظام المالي لتحويل الالتزامات غير المؤمَّنة إلى أسهم في المصارف ومنع إفلاس الدولة وتقصير مدة الركود. أمّا المُساءلة القانونية، فتمّت لاحقاً وفق القوانين القائمة عبر الأحكام الجنائية ضدّ الاحتيال أو الإهمال أو خرق الواجبات الإئتمانية والدعاوى المدنية لتعويض الدائنين عن سوء الإدارة. كما شملت إنشاء وحدات تحقيق وملاحقة قضائية موقتة وتعيين مدَّعٍ خاص للجرائم المالية. ويضمَن هذا الفصل استقرار النظام المالي وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد من دون تعطيل المحاسبة والشفافية.

 

وكان من المفترض أن يكون قانون «الفجوة المالية» أولوية منذ العام 2019، لمعالجة الأزمة المصرفية، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد الحقيقي. لكنّ لبنان انتظر 6 سنوات، عانى خلالها ركوداً قاسياً، إذ فَقدَ الناتج المحلي الإجمالي نحو 60% من قيمته وانتشر الفقر والبطالة، ليجد المواطن نفسه عاجزاً عن مواصلة أعماله أو تأمين دخله. وعلى رغم من اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي على منهجية للخروج من الأزمة، فقد تأخّر دعم المجتمع الدولي بسبب عدم إقرار قانون الفجوة المالية الذي كان ينبغي إقراره قبل أي إصلاح آخر. وبعد سنوات من الانتظار، تحرّكت الحكومة الحالية بشجاعة نادرة وأقرّت أخيراً قانون الفجوة المالية، في خطوة تسمح ببدء استعادة عمل القطاع المصرفي ووظائفه الحيوية. وتؤدّي إعادة بناء نظام مصرفي يعمل بشكل صحيح، إلى عودة المواطنين إلى أعمالهم واستئناف نشاطهم التجاري وتكوين دخل وادّخار جديدَين، وهو ما يمهّد الطريق لمرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي.

theme::common.loader_icon