الديسمبريون وأوكرانيا: صراع هوية وسيادة في مواجهة استبداد روسي
الديسمبريون وأوكرانيا: صراع هوية وسيادة في مواجهة استبداد روسي
د. خالد العزّي
Tuesday, 06-Jan-2026 07:02

في 14 كانون الأول 1825، قبل مئتَي عام، انطلقت انتفاضة الديسمبريِّين (ثورة في الإمبراطورية الروسية) في ساحة مجلس الشيوخ في روسيا، فسعت مجموعة من الضباط الشباب إلى إحداث تغيير جذري في النظام القيصري. وكانت دوافعهم تتراوح بين الإصلاحات السياسية والاجتماعية، وكانوا يسعون إلى دولة أكثر عدلاً وحرّية. لكن، على رغم من رغبتهم في التحرّر من الحُكم الاستبدادي، لم يكن لديهم أفق واضح حول كيفية تحقيق هذا التغيير، ممّا جعلهم هدفاً للقمع العنيف على يَد الإمبراطور نيكولاس الأول. وفشلت انتفاضتهم، لكنّ تأثيرها امتدّ عبر التاريخ الروسي، فطُرِحت أسئلة حول الهوية الوطنية والتوجّهات الإصلاحية في روسيا.

اليوم، ومع الصراع الروسي- الأوكراني المستمرّ، يمكننا ملاحظة بعض أوجه التشابه بين الديسمبريِّين وأوكرانيا في سعيهم نحو الهوية الوطنية والسيادة في مواجهة روسيا. وعلى رغم من اختلاف السياقات الزمنية والجغرافية، إلّا أنّ التحدّيات التي يواجهها الطرفان تتمحور حول الاستقلال عن الهيمنة الروسية والسعي إلى بناء دولة ذات سيادة.
الديسمبريّون في التاريخ الروسي: أبطال أم عملاء أجانب؟
على مرّ التاريخ، تباينت الآراء حول الديسمبريِّين: هل كانوا أبطالاً يسعون لتغيير روسيا إلى الأفضل؟ أم مجرّد مثيري شغب يسعون إلى زعزعة استقرار البلاد؟ بعض الآراء الحديثة تتبنّى تصويرهم كـ «عملاء أجانب» أو «رومانسيِّين طوباويِّين» يحاولون إصلاح النظام الروسي، لكن بطرق غير فعّالة، إذ انخرط معظمهم في محافل ماسونية وتفاوضوا مع القوى الأجنبية لتحقيق أهدافهم. على سبيل المثال، تفاوض بافل بيستل، زعيم الجمعية الجنوبية، مع البولنديِّين لدعم انتفاضة متزامنة مقابل وعدهم بالاستقلال البولندي.
هذه التصوّرات الحديثة عن الدعم الأجنبي للديسمبريِّين تعكس تحوّلاً جذرياً في فهم التاريخ الروسي. وكان الكثير من الديسمبريِّين يتطلّعون إلى الثورات الأوروبية كإلهام، سواء كانت الثورة الفرنسية أو النموذج الأميركي. كان كوندراتي رايلييف، أحد قادة «الشماليِّين» في الحركة، يطمح إلى استعمار الساحل الغربي الأميركي (بداية من ألاسكا وكاليفورنيا)، لكنّ الإمبراطورية الروسية رفضت هذه الفكرة بسبب تحالفها الممتاز مع الولايات المتحدة ضدّ البريطانيِّين.
وعلى رغم من هذه العلاقات مع القوى الأجنبية، كان الديسمبريّون في جوهرهم جماعة من الوطنيِّين الروس الذين سعوا إلى تغيير بلادهم من الداخل، حتى وإن كانوا مستلهمين من أفكار أوروبية.
مقارنة مع أوكرانيا في الحاضر
اليوم، في ظل الصراع الروسي- الأوكراني، نجد أنّ أوكرانيا تواجه تحدّيات مشابهة لتلك التي واجهها الديسمبريّون. تسعى أوكرانيا إلى الحفاظ على سيادتها واستقلالها في مواجهة الهيمنة الروسية، وهو صراع يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية الوطنية بعيداً عن الضغوط الخارجية، تماماً كما كان الحال مع الديسمبريِّين الذين سعوا لتغيير النظام الروسي وفقاً لرؤيتهم للهوية الروسية.
كما كان الديسمبريّون في الماضي ينظرون إلى الغرب كإلهام لنظام سياسي جديد، كذلك يرى الأوكرانيّون اليوم في الاتحاد الأوروبي والناتو الأفق الطبيعي لمستقبلهم. في كلتا الحالتَين، لا تقتصر المواجهة على النظام الحاكم في روسيا فقط، بل تشمل أيضاً الانفتاح على العالم الغربي والابتعاد عن الهيمنة الروسية.
التشابهات: السعي إلى الإستقلال والهوية
كل من الديسمبريِّين وأوكرانيا كان لديهم رؤية لمستقبل أكثر استقلالية. بالنسبة إلى الديسمبريِّين، كان الهدف إصلاحاً داخلياً في روسيا والتحوّل نحو دولة أكثر عدلاً وحرية، على رغم من أنّ بعضهم تأثر بالأفكار الأوروبية. بالنسبة إلى أوكرانيا اليوم، فإنّ الهدف هو الحفاظ على سيادتها واستقلالها في وجه الهجوم الروسي، بينما تسعى للإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو.
وعلى رغم من أنّ الحركتَين تتحدّثان عن سيادة الدولة والإستقلال، إلّا أنّ الاختلاف الكبير يكمن في السياق التاريخي: في القرن الـ19، كان الديسمبريّون يحاولون تغيير روسيا من الداخل، بينما اليوم تسعى أوكرانيا إلى حماية نفسها من غزو خارجي والبحث عن مكانها ضمن التحالفات الغربية.
الاختلافات: السياقات التاريخية والأهداف
بشأن الديسمبريِّين، كان صراعهم في سياق داخلي، فكانوا يسعون إلى تغيير روسيا بما يتماشى مع أفكارهم الإصلاحية التي تأثرت بالعوامل الخارجية. كانوا يسعون إلى تحديث النظام القيصري، لكن من داخل المنظومة الروسية. أمّا أوكرانيا اليوم، فإنّ صراعها هو مع قوّة خارجية تسعى لفرض هيمنتها عليها، وهو صراع لا يقتصر على الإصلاحات الداخلية بل يتعلّق بالمحافظة على استقلالها الوطني من خلال مقاومة الاحتلال الروسي.
التأثير الروسي على الحركتَين
إنّ الدور الروسي في الحركتَين لا يمكن تجاهله. ففي الماضي، كان الديسمبريّون جزءاً من حركة إصلاحية حاولت تغيير النظام القيصري، بينما اليوم، تسعى روسيا إلى فرض سيطرتها على أوكرانيا، ممّا يجعل الصراع في أوكرانيا استمرارية للصراع القومي ضدّ الهيمنة الروسية. لكن بينما كانت روسيا القيصرية تقمع الديسمبريِّين، فإنّ روسيا اليوم تسعى إلى إعادة هيمنتها على أوكرانيا بطرق حديثة.
إنّ المقارنة بين الديسمبريِّين وأوكرانيا اليوم تكشف عن التوتر المستمر بين الرغبة في الهوية الوطنية والسيادة في مواجهة قوى خارجية. الديسمبريّون كانوا يسعون لتغيير النظام الروسي من الداخل وفقاً لرؤيتهم الوطنية، بينما أوكرانيا اليوم تكافح للحفاظ على استقلالها ضدّ محاولات الهيمنة الروسية. في النهاية، يكمن الرابط بين الحركتَين في السعي المتواصل للتمسك بالهوية الوطنية في مواجهة القوى الخارجية التي تسعى للسيطرة عليها.

theme::common.loader_icon