هل العلم عدوّ الثقافة أم ضحيّتها في زمن حكم الأغبياء؟
هل العلم عدوّ الثقافة أم ضحيّتها في زمن حكم الأغبياء؟
محمود القيسي
Tuesday, 06-Jan-2026 07:00

هل نشهد اليوم تطوّراً غير مسبوق في العلم يترافق مع انهيار دراماتيكي في الثقافة؟ وهل يحق لنا القلق من أنّ التقدّم العلمي لا يسير جنباً إلى جنب مع تطوّر القِيَم الثقافية، ما يقود إلى حالة من الهمجية الحديثة تُفرَّغ فيها الإنسانية من معانيها الأساسية؟ وهل الموضوعية التي يدّعيها العلم ليست، في بعض تجلّياتها، سوى إفقار للواقع، على رغم من مزاعمها بالحياد، حين تُقصي الفهم العميق للحياة وتُغفل الأبعاد الروحية والإنسانية؟

ثم، هل يمكن القول إنّ العلم لم يعُد جزءاً من الثقافة، بل نقيضاً لها، عندما يُمارَس بمعزل عنها، فيُعزّز القطيعة بين المعرفة الإنسانية والتجربة الحياتية؟
يؤكّد كتيّب «الغباء البشري» للمؤرّخ الاقتصادي الإيطالي كارلو شيبولا أسوأ مخاوفنا: نعم، يمكن للأغبياء أن يحكموا العالم. فمن خلال ما سمّاه «القوانين الأساسية لغباء الإنسان»، حاول شيبولا فهم - أو على الأقل تحييد - واحدة من أكثر القوى ظلمة وتأثيراً في تعطيل رفاه الإنسان وسعادته. وإذا وجدت نفسك يوماً يائساً من انتشار الغباء بوصفه ظاهرة عامة، فإنّ هذا الكتيّب الصغير، الساخر والمقلق في آنٍ، كُتب من أجلك. وإذا بدا إنقاذ النفس من الغباء مستحيلاً، فلا أقل من مواجهته بالضحك... أو بالبكاء.
في السياق عينه، يبرز كتاب «الهمجية: زمن علم بلا ثقافة» للفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري، كأحد أبرز الأعمال الفكرية التي أثارت جدلاً عميقاً حول العلاقة الإشكالية بين العلم والثقافة. يتناول هنري في هذا العمل الآثار السلبية للتقدُّم العلمي والتكنولوجي على القِيَم الإنسانية، ويطرح أسئلة جذرية حول معنى الإنسان في عصر يُهَيمن فيه العلم، بينما تتراجع الثقافة.
ميشيل هنري، المعروف بإسهاماته في الفلسفة الظاهراتية وفلسفة الوجود، تميّز بأسلوب فلسفي يجمع بين التحليل العميق والنقد الجذري. وقد عُدّ من أبرز المفكّرين الذين انشغلوا بقضايا الهوية الإنسانية، الوجود، والعلاقة بين الذات والعالم.
ينطلق هنري من تعريف «الهمجية» بوصفها حالة انفصال عن القِيَم الثقافية والإنسانية، مشيراً إلى أنّ التقدُّم العلمي، على رغم من إنجازاته، ساهم في تفكيك الروابط الثقافية التي شكّلت تاريخياً أساس الهوية الإنسانية. فالعلم، عندما يُمارَس خارج الإطار الثقافي والأخلاقي، يتحوّل من أداة للتحرير والتقدّم إلى وسيلة للهيمنة والاستغلال، بل وللحروب.
وفي هذا الإطار النقدي، يسلّط هنري الضوء على هيمنة النزعة العلمية الصارمة التي تختزل الواقع في معطيات قابلة للقياس، متجاهلة الأبعاد الإنسانية التي تشكّل جوهر التجربة البشرية. وهو يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية إعادة دمج هذه الأبعاد، بما يضمَن تحقيق ما يمكن تسمِيَته «تنمية إنسانية مستدامة».
كما يتناول الكتاب أثر التكنولوجيا في الحياة اليومية، محذّراً من أنّ التكنولوجيا، على رغم من كونها نتاجاً علمياً، قد تسهم في تآكل القيم الثقافية والاجتماعية. ويُعبِّر هنري عن قلقه من أنّ الاعتماد المفرط على الوسائط التقنية يؤدّي إلى تراجع الحساسية الفردية، وإلى تفكّك التواصل الإنساني المباشر.
وفي خاتمة كتابه، يدعو الفيلسوف الفرنسي إلى إعادة التوازن بين العلم والثقافة، مؤكّداً أنّ الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل عنصراً جوهرياً في تشكيل الهوية الإنسانية وتعزيز القِيَم الأخلاقية والاجتماعية. ويقترح إقامة حوار دائم بين العلماء والمثقفين، تجنّباً لتحوّل الآلة الإلكترونية إلى بديل عن الإنسان، أو إلى سلطة تحكمه.
يُعدّ «الهمجية: زمن علم بلا ثقافة» دعوة مفتوحة إلى التفكير النقدي في موقع الإنسان داخل عالم تحكمه السرعة والتقنية. فهو يُقدِّم رؤية فلسفية عميقة تحذّر من تآكل القيم الإنسانية في مواجهة التقدُّم العلمي غير المنضبط، ويُشكِّل مرجعاً مهماً للمفكرين والباحثين الساعين إلى فهم تعقيدات العصر الحديث.
ولفهم هذا العمل بعمق، لا بُدَّ من وضعه في سياقه التاريخي والثقافي والاجتماعي. فقد شهد القرن العشرون تحوّلات جذرية، من الحروب العالمية إلى صعود الحركات الاجتماعية والسياسية الكبرى. وقد فرضت الحربان العالميّتان الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945) مراجعات قاسية للقِيَم الإنسانية والأخلاقية، دفعت الفلاسفة إلى مساءلة دور العلم والتكنولوجيا في الدمار الشامل.
ومع صعود الحداثة، تسارع التقدُّم العلمي، ما أدّى إلى تفكيك كثير من المعتقدات التقليدية، لكنّه رافق أيضاً نقداً متزايداً للعلم، خصوصاً بعد استخدامه في الحروب. وبعد الحرب العالمية الثانية، شهدت أوروبا إعادة بناء ثقافية وفكرية، وبرزت حركات فلسفية مثل الوجودية والظاهراتية، التي أعادت الاعتبار لتجربة الفرد والوعي الذاتي.
تأثّر ميشيل هنري تحديداً بالظاهراتية التي أسسها إدموند هوسرل وطوّرها مارتن هايدغر، وتُركِّز على تجربة الوعي بوصفها أساساً للوجود الإنساني. ومن هذا المنطلق، يحذّر هنري من أنّ عزْلَ العلم عن الثقافة يؤدّي إلى فقدان الوعي الذاتي، وبالتالي إلى تآكل القِيَم الإنسانية.
كما شهد القرن العشرون ثورة تكنولوجية غير مسبوقة جعلت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزّأ من الحياة اليومية. غير أنّ هذا التحوّل أثار مخاوف عميقة بشأن مستقبل العلاقات الإنسانية، خصوصاً مع تصاعد الحركات الحقوقية والنسوية والبيئية، التي سعت إلى إعادة الاعتبار للهوية الإنسانية في مواجهة العولمة والتقدُّم العلمي المنفلت.
في ضوء هذا السياق، يعكس كتاب هنري قلقاً فلسفياً عميقاً حيال مصير الإنسان في عصر يُفرط في حداثته، من دون أن يترجم هذا الإفراط إلى تقدّم ثقافي أو إنساني. فالعلم، حين ينفصل عن القِيَم، يتحول إلى أداة للهيمنة والتلاعب، وصولاً إلى الهمجية بكل تداعياتها.
من هنا، تصبح الدعوة إلى التفكير النقدي في الحضارة المعاصرة ضرورة وجودية، والبحث عن بدائل تعيد الروح الإنسانية إلى المجتمع أمراً لا غنى عنه. فتعزيز دور الفن، الثقافة، والتجربة الإنسانية اليومية، ليس ترفاً فكرياً، بل وسيلة مقاومة في وجه الهمجية الحديثة... وآلتها العليا الحاكمة، الآلة المتوحّشة.

theme::common.loader_icon