التسّوية تُسابِق الحرب.. دور سعودي و«قناة» أميركية مع «الحزب»؟
التسّوية تُسابِق الحرب.. دور سعودي و«قناة» أميركية مع «الحزب»؟
محمد حمية
Monday, 05-Jan-2026 07:27

الثابَت الوحيد الذي يُردده ديبلوماسيون أميركيون وأوروبيون وعرب، أنّ القرار الدولي اتُخِذ لإنهاء ملف سلاح «حزب الله» وتهدئة الحروب في الشرق الأوسط وإدارتها بالحدّ الأدنى، أكان حرباً مضبوطة على ساعة عدم الإنجرار الى حرب شاملة، أم سِلماً عبر تسويات تولَد من الخاصِرة، انطلاقاً من وثيقة الأمن القومي الأميركي الصادرة قبل أسابيع، والتي حدّدت الاستراتيجية الأميركية حول العالم، وتحديد الأولوية للقارة الأميركية وهذا ما بدأ تنفيذه على أرض الواقع في فنزويلا.

يُدرِك القيّمون على القرار الأميركي في «البيت الأبيض» أنّ إسرائيل لا تستطيع القضاء عسكرياً على «حزب الله» حتى لو ذهبت إلى حرب واسعة النطاق، وهي لم تستطع ذلك خلال 66 يوماً في ذروة قوتها، وهذا ما ذكره بصريح العبارة المبعوث الأميركي توم برّاك، ولا الجيش اللبناني قادر على نزع سلاح الحزب على حدِّ قولِه.. ما يُعبّر عن اقتناع وبراغماتية أميركية بتغيير المقاربة مع «حزب الله» والملف اللبناني، عبر الإنتقال من المواجهة إلى الإحتواء، ومن نزع السلاح إلى منع استخدامه، مع غموض الوسائل والآليات لتحقيق هذا الهدف.

 

يعرِف الأميركيون أنّ حرباً إسرائيلية جديدة على لبنان غير مضمونة النتائج، وستُرتب تكاليف بشرية ومادية، وقد تُفرّط بالمكتسبات التي حققتها إسرائيل خلال حرب العامين على لبنان وغزة وإيران وتغيير النظام في سوريا، وقد تتدحّرج إلى حربٍ شاملة وتُعيد إشعال جبهات سعَت إدارة ترامب لإخمادها مثل غزة واليمن وربما سوريا، إذا ما انهار الحكم فيها جراء التوترات الطائفية والقومية.. ولو أنّ واشنطن تُجيد اللعب على حافة الهاوية مع «حزب الله»، لكنها تخشى حشره في زاوية واحدة بالضغط على الدولة اللبنانية لنزع سلاحه عبر الجيش اللبناني، من أن يقلب الطاولة سياسياً وأمنياً وشعبياً وربما عسكرياً، ما يؤدي إلى اقتتال أهلي وانقسام داخل مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية وتعمّ الفوضى، وتُفرّط أميركا بنافذة بحرية استراتيجية لها على البحر المتوسط. لذلك تنصح إدارة ترامب حكومة نتنياهو باستخدام أدوات أخرى سياسية وديبلوماسية ومالية وعسكرية مضبوطة ضدّ الحزب، ترجمة لسياسة الضغوط القصوى للخنق التدريجي وفرض التنازلات لاحقاً، ولذلك يُبقي «البيت الأبيض» سيف الحرب العسكرية الواسعة مرفوعاً ومصلتاً للضغط على بيئة الحزب ومنح الدولة الحُجّة لتقديم التنازلات، إلى حين توافر الظروف المؤاتية للإنقضاض بحرب عسكرية أمنية خاطفة على الحزب.

 

ويُنقل عن مراجع عليا في الدولة، تلقّيها تطمينات أميركية بعدم شن حرب واسعة على لبنان ومنح لبنان فرصة شهرين إضافيين لمعالجة ملف السلاح، وهذا منبع استبعاد رئيس الجمهورية الحرب في تصريحاته الأخيرة.

 

ويعِي أصحاب القرار في «تل أبيب»، أنّ ترامب لن يُعطي الضوء الأخضر لحربٍ واسعة النطاق ضدّ لبنان في ظل انشغاله في حرب أوكرانيا ـ روسيا والنزاع مع الصين وإيران وإدارة التوازن ومصالح حلفائه في سوريا والحرب المستجدة على فنزويلا وربما لاحقاً كولومبيا والمكسيك وكوبا. لكن إسرائيل تتصرّف على أنّ في استطاعتها شنّ الحرب حينما تشاء وتضمن النصر فيها، وتُريد بالحدّ الأدنى استمرار التصعيد العسكري ضدّ الحزب لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية، وبالحدّ الأقصى شن ضربة كبيرة لوضع «حزب الله» بين خيارين: الردّ ومنحها الذريعة لشن حرب شاملة لا توفر فيها المرافق الحيوية للدولة، وبين عدم الردّ ما يتسبب بإحراج كبير أمام بيئته، ويُعطي خصومه في الداخل فرصة لخلق موجة إعلامية ـ سياسية للقول إنّ السلاح لم يستطِع الردع والحماية وأصبح بلا جدوى، فلماذا يبقى في يد المقاومة؟.

 

ووفق مصدر ديبلوماسي غربي، فإنّ إسرائيل تُحضّر لضربة عسكرية واسعة تشمل البقاع الغربي وسلسلة جبال لبنان الشرقية، التي تحوي وفق التقديرات الأمنية الاسرائيلية على المخزون العسكري الإستراتيجي للحزب، باستخدام القذائف الخارقة للتحصينات لتدمير الأنفاق التي يُقدّر طولها بعشرات الكيلومترات، وضرب عشرات الأهداف العسكرية والخدماتية في الضاحية الجنوبية وأخرى في القرى الحدودية، لتهجير الأهالي لفرض المنطقة العازلة التي تريدها إسرائيل على غرار الجنوب السوري وفي غزة.

 

وينقُل ديبلوماسي عربي عن مسؤولين أميركيين وغربيين، أنّ إسرائيل تُصِّر خلال لقاءاتها مع مبعوثي البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومستشاريهما، على تدمير الصواريخ الدقيقة والبالستية والمسيّرات التي تُحمّل متفجرات، لإزالة الخطر الذي يمثله الحزب، مع السعي لتذويب عقيدته المعادية لإسرائيل، وتُريد اتفاقية سلام مع لبنان تضمن لها فرض شروطها بالمنطقة الأمنية العازلة، وتعاون اقتصادي ونفطي وغازي، وتحويل لجنة «الميكانيزم» منصّة تفاوضية لهذه الغاية.

 

في المقابل، يُدرك «حزب الله» وفق مطلعين، التحولات الكبرى التي طرأت على الإقليم والساحة الدولية، وأنّ معادلات الردع التي صمدت لعقود تآكلت بفعل الحروب الأخيرة، وأنّ موازين القوى كُسِرت بعد سقوط سوريا، وأنّ المناخ تبدّل في المنطقة من الحرب إلى السلام والتسويات وفق النظرة الأميركية الجديدة، وأنّ المشروع الإسرائيلي تقدّم في المنطقة العربية كامتداد للمشروع الأميركي نفسه، وأنّ سلاحه لم يعُد يملك وظيفة إقليمية ولو أنّه مرتبط عضوياً بإيران، لكنه أيضاً لم يعد قادراً على التحرّك خارج إطار الدولة في المرحلة الراهنة بالحدّ الأدنى، لذلك يبحث الحزب عن تسوية ما تقِيه الشرّ الإسرائيلي - الأميركي المُسّتطير وجنون «الثنائي الشيطاني» ترامب - نتنياهو، لكن مع عدم الإستسلام والتنازل والتفريط بورقة السلاح، وأن تشمل أي تسوية ضمانات لأهل الجنوب تتعلق بوقف الاعتداءات وتحرير الأرض وعودة النازحين وإعادة الإعمار، وقد أرسل الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم رسائل عدة في هذا الإتجاه، تحمل في طياتها مرونة سياسية.

 

ووفق مصدرٍ موثوق، فإنّ حواراً دار بين شخصيات لبنانية وسعودية في أحد المؤتمرات الاقتصادية العربية أخيراً، كان محور النقاش تفعيل الدور السعودي في لبنان ما يشكّل نوعاً من التطمينات السعودية لأهل الجنوب و»حزب الله» لا ترقَى إلى مستوى ضمانات، عبر إقامة مجموعة مشاريع واستثمارات كبرى تجذب شركات خليجية وأميركية وعالمية تفرض ضماناً بأن لا تعتدي إسرائيل على لبنان. ووفق المصدر، فإنّ وفداً سعودياً اقتصادياً يترأسه وزير سعودي سيزور لبنان قريباً لهذه الغاية. ويوضح المصدر أنّ هذه المنطقة تختلف عن تلك التي ذكرها توم برّاك، أي من دون قضم القرى الحدودية.

 

ووفق المصدر، فإنّ هناك قناة تواصل أميركية غير مباشرة مع «حزب الله» عبر وسطاء، ويطمح الأميركيون لتحويلها إلى مباشرة للتفاوض حول ملفات عدة تتمحور بين أمرين: أمن إسرائيل والشراكة الأميركية في استثمار بلوكات النفط والغاز الجنوبية. ويتحدث مطلعون عن عروض أميركية مُغرية سياسية وأمنية واقتصادية، حملها وسطاء إلى الحزب بقيت طي الكتمان.

theme::common.loader_icon