ترامب يزجّ أميركا بمخاطر جديدة في فنزويلا
ترامب يزجّ أميركا بمخاطر جديدة في فنزويلا
ديفيد إي. سانغر وتايلر بيجر
Monday, 05-Jan-2026 07:22

أدخل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم السبت، أنّ الولايات المتحدة تخطط لـ»إدارة» فنزويلا لفترة غير محدّدة، مع إصدار أوامر لحكومتها واستغلال احتياطاتها النفطية الهائلة، الولايات المتحدة، في حقبة جديدة محفوفة بالمخاطر، تسعى فيها إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية على دولة يبلغ عدد سكانها نحو 30 مليون نسمة.

خلال حديثه في ناديه الخاص «مار-إيه-لاغو»، بعد ساعات فقط من قيام القوات الأميركية باعتقال نيكولاس مادورو، زعيم فنزويلا، وزوجته من غرفة نومهما، أعلن ترامب للصحافيِّين أنّ ديلسي رودريغيز، التي شغلت منصب نائبة مادورو، ستتولّى السلطة في فنزويلا ما دامت «تفعل ما نريده».

 

غير أنّ رودريغيز أظهرت اهتماماً ضئيلاً علنياً بتنفيذ أوامر الأميركيِّين. ففي خطاب وطني، اتهمت واشنطن بغزو بلادها بذرائع كاذبة، وأكّدت أنّ مادورو لا يزال رئيس دولة فنزويلا: «ما يُفعل بفنزويلا هو همجية».

 

وتجنّب ترامب وكبار مستشاريه للأمن القومي بعناية، وصف خططهم لفنزويلا بأنّها احتلال، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة بعد هزيمة اليابان، أو إسقاط صدام حسين في العراق. وبدلاً من ذلك، رسموا بصورة غامضة ترتيباً شبيهاً بالوصاية: ستُقدِّم الولايات المتحدة رؤية لكيفية إدارة فنزويلا، وستتوقّع من الحكومة الانتقالية تنفيذها خلال فترة انتقالية، تحت تهديد تدخّل عسكري إضافي. وحتى بعد أن ناقضت رودريغيز تصريحات ترامب، أعلن وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، أنّه يحجم عن إصدار حكم مسبق، مضيفاً في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: «سنتخذ قراراتنا بناءً على أفعالهم وتصرّفاتهم في الأيام والأسابيع المقبلة. نعتقد أنّه ستكون لديهم فرص فريدة وتاريخية لتقديم خدمة عظيمة للبلاد، ونأمل أن يقبلوا تلك الفرصة».

 

وألمح ترامب إلى أنّه في حين لا توجد قوات أميركية على الأرض حالياً، ستكون هناك «موجة ثانية» من العمل العسكري إذا واجهت الولايات المتحدة مقاومة، سواء على الأرض أو من مسؤولين في الحكومة الفنزويلية.

 

وأضاف ترامب: «لسنا خائفين من وجود قوات على الأرض». وعندما سُئل عمّن سيُدير فنزويلا تحديداً، أوضح: «الأشخاص الذين يقفون خلفي مباشرة، نحن مَن سنُديرها»، مشيراً إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

 

وأقرن ترامب ذلك بإعلان مفاده أنّ هدفاً أميركياً أساسياً هو استعادة حقوق النفط، التي اعتبر مراراً أنّها «سُرقت» من الولايات المتحدة. وبهذه التصريحات، فتح الرئيس فصلاً جديداً في بناء الدول على الطريقة الأميركية.

 

وهو فصل يأمل فيه أن يؤثر في كل قرار سياسي كبير في فنزويلا، عبر وجود أسطول قبالة سواحلها مباشرة، وربما لترهيب دول أخرى في المنطقة. وكرّر تحذيراً لرئيس كولومبيا، وهي دولة أخرى تستهدفها الإدارة بسبب دورها في تهريب المخدّرات، قائلاً له: «راقب مؤخّرتك».

 

وأعادت تصرّفات ترامب الولايات المتحدة إلى حقبة سابقة من «دبلوماسية الزوارق الحربية»، عندما كانت تستخدم قوّتها العسكرية للاستيلاء على الأراضي والموارد لمصلحتها الخاصة.

 

وقبل عام في مثل هذا الأسبوع، كان قد تحدّث علناً، أيضاً في «مار-إيه-لاغو»، عن جعل كندا وغرينلاند وبنما أجزاءً من الولايات المتحدة. والآن، بعد أن علّق في البيت الأبيض صورة لويليام ماكينلي، الرئيس المحب للتعريفات الجمركية الذي أشرف على الاستيلاء العسكري على الفيليبين وغوام وبورتوريكو، أعلن ترامب أنّ من حق الولايات المتحدة تماماً انتزاع الموارد من فنزويلا، التي يعتقد أنّها انتُزعت ظلماً من أيدي الشركات الأميركية.

 

وتفتقر العملية الأميركية، الساعية إلى فرض السيطرة على دولة أميركية لاتينية شاسعة، إلى سوابق تُذكر في العقود الأخيرة، وتستحضر الجهود الإمبراطورية للجيش الأميركي في القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 في المكسيك ونيكاراغوا ودول أخرى.

 

وادّعى ترامب ومساعدوه أنّهم يمتلكون أساساً قانونياً للإجراء الفوري الذي أمر به يوم الجمعة، والمتمثل في نقل مادورو قسراً من خارج الحدود. وتعود لائحة اتهام إلى عام 2020 تتهم الزعيم الفنزويلي بسلسلة أفعال تتعلّق بتهريب المخدّرات. ونُشرت لائحة اتهام مُحدَّثة يوم السبت، شملت زوجة مادورو، سيليا فلوريس.

 

لكنّ تلك اللائحة لا تتناول سوى الجرائم المزعومة لمادورو. ولم توفّر أساساً قانونياً للسيطرة على البلاد، كما أعلن الرئيس الأميركي أنّه يفعل. ولم يُبدِ ترامب أي اعتذار عن اتخاذ تلك الخطوة، وفي تبريره أظهر أنّه أولى صناعة النفط قدراً كبيراً من التفكير.

 

وأضاف عن الموارد التي تُستخرج من باطن الأرض الفنزويلية: «فنزويلا استولت من جانب واحد على النفط الأميركي، الأصول الأميركية، والمنصات الأميركية وباعتها، ما كلّفنا مليارات ومليارات الدولارات. فعلوا ذلك منذ فترة، لكن لم يكن لدينا رئيس فعل أي شيء حيال ذلك. أخذوا كل ممتلكاتنا. النظام الاشتراكي سرقها منا خلال تلك الإدارات السابقة، وسرقها بالقوّة». وأوضح الآن أنّه يستعيدها، وأنّ الأميركيِّين سيُعوَّضون قبل أن يصبح الفنزويليّون، كما توقّع، «أغنياء».

 

غير أنّ ذلك ترك أسئلة كثيرة بلا إجابة. هل ستحتاج الولايات المتحدة إلى قوّة عسكرية احتلالية لحماية قطاع النفط، بينما يُعيد الأميركيّون وغيرهم بناءه؟ هل ستُدير الولايات المتحدة المحاكم، وتُحدِّد مَن يضخ النفط؟ وهل ستُنصِّب حكومة مطواعة لعدد من السنوات، وماذا يحدث إذا فازت في انتخابات ديمقراطية شرعية قوى فنزويلية تحمل رؤية مختلفة لبلادها؟

 

كل هذه الأسئلة، بطبيعة الحال، قد تُقحم الولايات المتحدة في النوع نفسه من «الحروب الأبدية» التي حذّرت منها قاعدة ترامب المؤيّدة لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً». وعندما سُئل عن هذه النقطة، رفضها ترامب. وأشار إلى نجاحه في قتل قائد «فيلق القدس» الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، في كانون الثاني 2020. واستشهد بنجاحه في الهجوم على المواقع النووية الرئيسية في إيران، ودفن مخزونها من اليورانيوم.

 

لكن تلك كانت إلى حدّ كبير ضربات تُنفّذ مرّة واحدة. ولم تنطوِ على إدارة دولة أجنبية، أو التعامل مع مقاومة تكاد ترافق دائماً مثل هذا المسعى. وطوال معظم القرن الـ20، تدخّلت الولايات المتحدة عسكرياً في دول أصغر في منطقة الكاريبي وأميركا الوسطى. لكنّ فنزويلا تبلغ ضعف مساحة العراق، وتواجه تحدّيات قد تُثبت أنّها معقّدة بالقدر نفسه.

 

وأوضح جون بولغا-هيسيموفيتش، الباحث في شؤون فنزويلا في الأكاديمية البحرية الأميركية، في مقابلة، أنّ «أي انتقال ديمقراطي سيتطلّب قبولاً من عناصر موالية للنظام وأخرى معارضة له». وأضاف أنّ أحد الاختبارات الحاسمة يتمثل في كيفية ردّ فعل القوات المسلحة الفنزويلية: «إذا انقسمت، بطريقة يدعم بعضُها الانتقال ويرفضه البعض الآخر، فقد تصبح الأمور عنيفة. أمّا في المقابل، فإنّ قوّة موحّدة ستساعد على إضفاء الشرعية على أي حكومة تأتي لاحقاً».

theme::common.loader_icon