هناك مؤشرات إلى حصول توافق وتنسيق بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في التعاطي مع لبنان. الاتفاق تمّ على «تهديد» لبنان على مستويين: الأول يستخدم الضغط السياسي والمالي والاقتصادي، والثاني يعتمد الضغط العسكري. وإذ قرر نتنياهو تقريب موعد عودته من واشنطن، بهدف إطلاق الحرب ضدّ لبنان، كما تمّ التأكيد، فذلك يعني أنّ الخطوات الأميركية ـ الإسرائيلية المرسومة سيبدأ تنفيذها فوراً. وربما يكون تصعيد إسرائيل في شمال الليطاني، وفي إقليم التفاح خصوصاً، يوم أمس، بداية للخطوات المنتظرة.
سيكون لبنان خلال 2026 أمام خيارين: الخضوع الكلي لشروط نزع السلاح، بين الليطاني والأولي، أو مواجهة موجة تدميرية ثانية. والأهم هو أنّ ما سيجري سيتمّ برعاية أميركية كاملة. ويجب التأمّل عميقاً في الظروف الحقيقية التي جعلت الاجتماع المرتقب للجنة «الميكانيزم» يقتصر على العسكريين فقط، ويغيب عنه المدنيون. فهل قرّر الإسرائيليون، والأميركيون الذين يرئسون اللجنة، أن يقولوا للبنان: فلنتفق على تنفيذ بنود نزع السلاح حتى الأولي قبل أي كلام آخر؟
إذا قرّر نتنياهو أن يعود من واشنطن ليفجّر الوضع العسكري مع لبنان، فإنّ إدارة ترامب لن تحاول ثنيه عن ذلك، لكنها ستحاول وضع حدّ لجموحه المبالغ فيه، لا أكثر. فالضغط العسكري الإسرائيلي هو جزء من «عدة شغل» الأميركيين في لبنان، في اعتماد سياسة «العصا والجزرة».
«الجزرة» الأميركية هي وعد بجعل لبنان بقعة ازدهار اقتصادي في الشرق الأوسط. وفي الواقع، ليس صعباً على لبنان، باقتصاده الصغير، أن يزدهر. فهو لا يحتاج إلى كثير من الدعم لتحقيق هذا الهدف. ويرى الأميركيون أنّ إنعاش لبنان ممكن أولاً باستثمار الموارد الهائلة التي يملكها أو يستطيع تحريكها على خريطة الشرق الأوسط، وثانياً من خلال الصندوق السيادي الدولي، الذي سيحظى بتمويل دولي، وخصوصاً خليجي، ويمكن أن يصل حجمه إلى ما بين 50 و 70 مليار دولار.
لكن هذه «الجزرة» مرهونة بـ«العصا» التي تُختصر أولاً بنزع سلاح «حزب الله» نهائياً وتحرير الدولة وقراراتها من قبضة إيران، وثانياً بدخول لبنان في شبكة التعاون الشرق أوسطية الاقتصادية والسياسية التي ترعاها واشنطن وتضمّ إسرائيل طبعاً. ويفترض الأميركيون أنّهم ربما يبرمجون خطوات الانفراج للبنان، بالتوازي مع خطوات نزع السلاح. فيمكن مثلاً بدء السماح للبنان بانفراجات مالية وتحصيل بعض المساعدات وضخ السيولة في مصرف لبنان لدعم استقرار الليرة، وتمويل مشاريع البنية التحتية كالكهرباء والمرافئ والمطارات، بإشراف شركات أميركية وأوروبية، شرط أن تنجح الخطوات المطلوبة لنزع السلاح ويبدي لبنان انفتاحاً على المفاوضات السياسية والاقتصادية، ويمنع وصول الأموال إلى «حزب الله». وفي مرحلة ثانية، قد يبدأ الإفراج عن موارد الغاز. فالشركات لا تعمل في مناطق التوتر والحروب.
في أي حال، معروف عن ترامب أنّه لا يتسرّع في تقديم المساعدات، ولا يحبذ أن تكون مجانية. وإذا لم يستجب لبنان للشروط والمطالب، فسيتعرّض لخناق مالي انتقائي، وربما يتمّ تفعيل عزله عن النظام المصرفي العالمي، وحصر المساعدات بالجيش فقط. وربما يعود الأميركيون مجدداً إلى فكرة «سحب البساط» الشعبي من تحت أقدام «حزب الله» بتعطيل تمويله وتفكيك مؤسساته الاجتماعية.
الشعار الذي يرفعه الأميركيون هو أنّ لبنان بلد جميل وتعددي وأهله يحبون الحياة ومنفتحون على الغرب. وهذا ما يؤهله لأن يكون موناكو الشرق. لكن هذا يستدعي نقل جنوب لبنان من واقع الثكنة العسكرية إلى واقع المنطقة الاقتصادية. وهذا الرخاء هو رهان الأميركيين على إقناع البيئة الحاضنة لـ«حزب الله» بأنّ السلام يجلب الخبز، بينما السلاح يجلب الدمار.
لكن هذا الأمر يثير المخاوف فعلاً من انقسام اجتماعي حاد في لبنان، بين من يريد الرخاء المالي بأي ثمن، ومن يرى في نزع السلاح خسارة لآخر أوراق القوة اللبنانية أمام إسرائيل. والدولة نفسها منقسمة حول هذين الخيارين. فقبول العرض الأميركي يعني صداماً داخلياً مع «حزب الله»، فيما رفضه يعني مزيداً من الحصار المالي وانهيار المرافق وتحلل الدولة تماماً.
وفي النتيجة، الدولة تمضي في محاولاتها شراء الوقت، لكنها لا تجرؤ على نزع السلاح. وأخطر ما يمكن توقعه هو أن ينطلق الازدهار ويتواصل في مناطق محددة، كبيروت والجبل والشمال، وتبقى المناطق التي يبقى فيها السلاح، أي الجنوب والبقاع، تحت الحصار.
ربما تحاول الدولة اللبنانية تسويق فرضية مضادة، وهي إقناع واشنطن بمعادلة «اعطونا المساعدات لتقوية الدولة، وعندئذ يضعف الحزب تلقائياً». ولكن، على الأرجح، لم يعد الأميركيون مستعدين لهذه التجربة مرّة أخرى. وقد تحاول الدولة الهروب إلى الأمام بطرح تنفيذ القرار 1701 «تدريجاً»: أي الالتزام بوجود الجيش وضبط الأمن في الجنوب، مقابل تأجيل ملف السلاح الثقيل إلى مفاوضات تدور لاحقاً بين اللبنانيين، أو تحاول الاستقواء بالموقف الفرنسي الأكثر ليونة.
الدولة محشورة الآن: إما أن تقبل بمقايضة نزع السلاح مقابل الاقتصاد، وإما أن ترفض وتخاطر بأن يتحول لبنان «دولة فاشلة» معزولة تماماً عن النظام العالمي. ولذلك، يعتبر «حزب الله» أنّ القوانين التي تعدّها الحكومة اليوم، بما فيها قانون الفجوة المالية، هي «حصان طروادة» الذي سيقود إلى الرضوخ الكامل لشروط صندوق النقد الدولي. فهذا الصندوق لم يعد يطلب في الفترة الأخيرة إقرار إصلاحات «تقنية» كما كان يفعل سابقاً، بل يشترط شفافية كاملة على الحدود والمرافق، أي مراقبة المطار والمرافئ لمنع التهريب والتمويل الموازي، كما يشترط الإحصاء الدقيق لموارد الدولة، ما يعني حتماً تجفيف منابع التمويل الذي يعتمده «الحزب». وهذه الإجراءات ستكون الفكّ الذي سيستكمل الإطباق عليه، وسيمهّد لنزع السلاح بالضغط المالي لا العسكري فحسب. وهذا ما يدفع «الحزب» إلى رفض قانون الفجوة، بالشروط المطروحة، باعتباره خطوة أخرى في سلسلة خطوات يُراد منها انتزاع كل عناصر قوته، بالمال كما بالسلاح. وفي اعتقاده أنّ هذا الضغط المالي ليس مفصولاً عن الضغط العسكري، وأنهما معاً سيشهدان تصعيداً كبيراً في المرحلة المقبلة.