إزاء الإنهيار المالي غير المسبوق الذي أصاب لبنان، لم يعُد النقاش حول الفجوة المالية وحقوق المودعين مسألة تقنية أو محاسبية. بات في جوهره يطال وظيفة الدولة وسلطتها. لم يأتِ هذا الإنهيار كحدثٍ فجائي أو معزول، بل جاء تتويجاً لمسار من تفريغ المبادئ السيادية، ومنها السيادة المالية للدولة. لبنان اليوم ليس دولة مكتملة الوظائف في ظل وجود دويلة رديفة تنافسه في القرار.
بدأ المسار التراجعي مع اتفاقية قاهرة متجدِّدة في 6/2/2006، حين نشأ اقتصاد موازٍ، وتراجعت سلطة الدولة على ماليّتها العامة، تآكلت الرقابة، واختلّ التوازن بين القرار والمسؤولية. ولم يعُد ممكناً فصل الأزمة المصرفية عن أزمة طبقة حاكمة أنفقت بلا حساب.
حين تُحتجَز الأموال، وهي ملكيات خاصة مكتملة الأركان، لسنوات من دون سند قانوني واضح، ومن دون تحديد للمسؤوليات، ومن دون أفق زمني أو ضمانات، نكون أمام أزمة دولة صاحبة السيادة، قبل أن نكون أمام أزمة مصارف، وأمام خلل في مفهوم الشرعية لا مجرّد اختلال في الأرقام.
ينطلق التفكير التشريعي من القاعدة المؤسسة في الفكر القانوني الروماني:
Salus populi suprema lex esto أي أنّ سلامة الشعب هي القانون الأسمى. إذ حين تُهدَّد السلامة الاقتصادية والاجتماعية، ويتعرّض الأمن المعيشي لفئات واسعة من اللبنانيِّين إلى الخطر، يصبح واجب المشرّع البحث عن أدوات غير تقليدية، لكن مشروعة ومتحوّطة، لتفادي المغامرة بحقوق الناس، لا لتقنين الخسارة بحقهم.
-1 من تشريع الخسارة إلى تشريع الحيطة
خرجت مشاريع معالجة الفجوة المالية من إطار النقاش التقني إلى وسط النزاع السياسي والمؤسساتي، كاشفةً عمق الانقسام داخل الدولة المسلوبة قراراتها السيادية.
بدل أن تُشكِّل هذه المشاريع مدخلاً إلى المحاسبة وتحديد المسؤوليات، جرى التعامل معها كأمر واقع لا بُدَّ من تمريره، تحت ذرائع الإصلاح أو الالتزام الخارجي، من دون معالجة لأسباب الانهيار ولا لمسار تفريغ الدولة من وظائفها المالية.
والأخطر أنّ هذا المسار يُفضي عملياً إلى تشريع الخسارة بدل إدارتها، وتعميم آثارها الاجتماعية على فئات لم تكن شريكة في القرار المالي ولا في السياسات النقدية. المودعون، ولا سيّما أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة من موظفين ومتقاعدين، باتوا ضحايا مزدوجين: تآكلت دخولهم مع انهيار العملة، ثم جرى المسّ بمدّخراتهم باسم التعافي.
-2 لماذا التشريع التجريبي؟
تبرز فكرة التشريع التجريبي (loi expérimentale) كأداة حقوقية، وإن كانت غير معروفة في الأوساط القانونية اللبنانية وغير مدرّسة في كليات الحقوق، لكنّها معتمدة في دساتير وأنظمة قانونية عريقة، وتُستخدم عندما تكون المخاطر عالية، المعطيات ناقصة، واحتمال الخطأ التشريعي مدمِّراً وغير قابل للتراجع.
إنّ معالجة الفجوة المالية وفق الصِيَغ المتداولة تقوم على فرضيات غير مكتملة، أرقام متنازع عليها، وتوزيع اعتباطي للأعباء، ينتهي غالباً إلى إلقاء العبء الأساسي على المصارف، على رغم من افتقارها إلى السيولة، وتحميل المودعين العبء الأكبر، وكأنّهم شركاء في الانهيار لا ضحاياه. فيما تبرّئ الدولة ومصرف لبنان، على رغم من أنّ الجزء الأكبر من الأموال المحتجزة موجود فعلياً لدى المصرف المركزي. هذا الخلل البنيَوي يجعل أي تشريع نهائي شامل غير قابل للتطبيق مالياً، فضلاً عن كونه دستورياً موضع شك وطعن.
في مثل هذا الواقع، يصبح اعتماد تشريع نهائي شامل، دفعة واحدة، مغامرة تشريعية خطيرة، لأنّ نتائجها، إن جاءت خاطئة، ستكون غير قابلة للتصحيح، وستقضي على ما تبقّى من الثقة.
-3 تجارب عربية ذات صلة
على رغم من ندرة استخدام مصطلح «التشريع التجريبي» صراحة في العالم العربي، توجد تجارب عدة اعتمدت قوانين أو برامج موقتة قابلة للتقييم قبل التعميم. في المغرب، أطلقت هذه القوانين تدريجاً صلاحيات مالية ومؤسساتية، وعلى مراحل، مع تحديد نطاق وزمن محدّد، وخضوعها لمراجعة دورية قبل التوسع. وفي تونس، جرى اعتماد آليات إنتقالية وموقتة في إصلاحات ما بعد 2011 محدّدة الأهداف، وقابلة للمراجعة والتقييم. أمّا في مصر ودول الخليج، فظهرت فكرة التجربة التشريعية بوضوح في تنظيم الابتكار المالي والتكنولوجيا المصرفية عبر أطر اختبار مرحلية. هذه التجارب تؤكّد هذه النماذج أنّ التشريع المرحلي ليس غريباً عن البيئة القانونية العربية، بل أداة عقلانية لإدارة المخاطر وحماية الحقوق في ظروف عدم اليقين.
-4 ما هو التشريع التجريبي؟
التشريع التجريبي هو قانون يُعتمد لمدّة محدودة، وفي نطاق محدّد، وبأهداف واضحة، ويخضع لتقييم دوري وعلني، قبل تعميمه أو تعديله أو إلغائه. وهو لا يشكّل خروجاً على الدستور، بل تجسيداً عملياً لمبدأَي الحيطة والتناسب، صَوناً للأمن القانوني، واحتراماً لحقوق المُلكية.
في الحالة اللبنانية، يمكن اعتماد هذا النمط من التشريع لاختبار آليات واقعية تدريجية لاسترداد الودائع، تنطلق من تأمين السيولة أولاً، بدل ترحيل الحقوق عبر أدوات مالية طويلة الأجل ذات قيمة مجهولة، وتربط أي توزيع للأعباء بتحديد واضح للمسؤوليات. لا بُدّ من تحديد مصادر الخسائر قبل توزيعها، وقياس الأثر الاجتماعي لأي إجراء مالي، ومنع فرض حلول نهائية غير قابلة للتراجع.
-5 استعادة الثقة لا تكون بتشريع الخسارة
شكّل النظام المصرفي اللبناني، تاريخياً، أحد أعمدة الدولة ومرتكزات سيادتها. وهذه الثقة لا تُستعاد بتشريعات تُقنّن الخسارة، ولا عبر شهادات مؤجّلة ذات عائد سلبي، ولا عبر مهل تمتد لعقود، بل بإثبات أنّ الدولة استعادت مركزيتها وسيادتها، وأنّها قادرة على تأمين حدٍ أدنى من السيولة الفعلية باعتبارها الشرط الأول لتحريك الاقتصاد، وعدم المخاطرة بحقوق الناس.
-6 مثال تطبيقي مبسّط
الموضوع: تجربة جزئية لاسترداد الودائع في بنك محدّد. المدة: 18 شهراً. الهدف: استرداد 30% من ودائع الفئة الصغيرة والمتوسطة، مع تقييم الأثر المالي والاجتماعي كل 6 أشهر.
الآلية: صرف جزء من الودائع نقداً أو عبر سندات موقتة قابلة للتداول، قياس رضا المودعين، التأثير على سيولة البنك، وإعداد تقرير شامل. تعديل النسب أو الأدوات وفق النتائج قبل تعميمها على كل المصارف.
إذا كانت سلامة الشعب هي القانون الأسمى، فإنّ أولى تجليات هذه السلامة اليوم هي حماية حقوق المودعين، لا تشريع خسارتهم.