الإعلام صوت الشعوب وحارس العقد الاجتماعي
الإعلام صوت الشعوب وحارس العقد الاجتماعي
آية يوسف المسلماني
Saturday, 03-Jan-2026 06:34

منذ نشأة المجتمعات الحديثة، لم يعُد الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الأخبار أو للتسلية والترفيه، بل أصبح قوّة فاعلة في تشكيل وعي الشعوب وصناعة الرأي العام.

يتحوّل الإعلام، حين يمارس دوره الحقيقي، إلى مرآة تعكس نبض المجتمع، وإلى سلطة رقابية تحاسب مَن أوكلهم الشعب مسؤولية الحكم باسمه، ويحمي العقد الاجتماعي الذي يربط بين الحاكم والمحكوم.

 

منذ أن وُلدت فكرة العقد الاجتماعي، والشعوب تدرك أنّ الحُكم ليس سلطة فوقية تفرض نفسها، بل تفويض موقت من الشعب لحاكم ينوب عنه.

 

الشعب هو الأصل، والسلطة مجرّد أمانة. هذا ما أكّده الفيلسوف جون لوك حين وضع معالم نظريّته: للأفراد حقوق طبيعية لا تُمَسّ، في الحياة والحرّية والملكية، والتنازل عن الحُكم لم يكن استسلاماً، بل كان حاجة لتنظيم المجتمع وحماية تلك الحقوق.

 

لكن مَن يحمي الشعب إذا خان الحاكم العقد؟ هنا ينهض الإعلام ليكون السند والدرع. الإعلام لا يشرّع القوانين، لكنّه يكشف مكامن الخلل، ويُذكِّر الحاكم دوماً بأنّ الشعب هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

 

فهو يخلق شعوراً بالمسؤولية لدى الحاكم قبل أي تدخّل رسمي من القانون أو المؤسسات الرقابية، ويمنح المواطنين القدرة على متابعة أداء السلطة وفضح أي تجاوزات.

 

إنّ دور الإعلام لا يقتصر على نقل الخبر، بل على صناعة الوعي. فهو يفضح الفساد حين يتستر، ويوقظ الرأي العام حين يحاول البعض تهدئته، ويمنح المواطن سلاح المعرفة لمواجهة أي سلطة تنحرف عن التزاماتها.

 

بهذا المعنى، يصبح الإعلام تجسيداً عملياً لفكرة «حق المقاومة» التي تحدّث عنها لوك، حين يخرج الناس للمطالبة بحقوقهم لأنّ الإعلام أيقظَ وعيهم.

 

في العصر الرقمي اليوم، أصبح الإعلام أكثر قوّة وتأثيراً، لكنّه يواجه تحدّيات جديدة. مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، يمكن للمعلومات الصحيحة أن تنتشر بسرعة، لكنّها تواجه أيضاً موجات من الأخبار الكاذبة والشائعات التي تحّرف الرأي العام.

 

هنا يظهر الفرق بين الإعلام المسؤول والسلبي: الأول يبني وعي المجتمع ويُقوّي العقد الاجتماعي، بينما الآخر يضعفه ويُهدِّد استقرار الدولة والمجتمع. الإعلام هو «السلطة الرابعة»، لا لأنّه ينافس السلطات الثلاث التقليدية، بل لأنّه يراقبها جميعاً.

 

هو المرآة التي تضع الحقيقة أمام الناس مهما حاولت السلطة طمسها، وهو الجسر الذي يربط بين الشعب وممثليه، ليذكّرهم أنّ الحُكم ليس امتيازاً، بل عقداً مشروطاً بخدمة المصلحة العامة.

 

لذلك، حين يتحوّل الإعلام إلى أداة ترفيهية فقط، يخسر المجتمع حارسه الحقيقي. وحين يخضع الإعلام لإملاءات السلطة، يصبح العقد الاجتماعي حبراً على ورق. أمّا الإعلام الحُرّ، الواعي، والمسؤول، فهو الضمانة الكبرى لبقاء الشعب سيّد نفسه، لا تابعاً لحاكم متسلّط.

 

الإعلام اليوم ليس خياراً، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع يسعى للعدالة والحريّة. إنّه صدى العقد الاجتماعي، حارس الحقوق الطبيعية، وصوت الأغلبية التي لا يجوز أن تُسلب كلمتها.

 

باختصار، يمكن أن نفهم الإعلام على أنّه «مرآة المجتمع» و«صوت الضمير العام»، و«حارس العقد الاجتماعي»، الذي يضمَن أنّ السيادة باقية للشعب، وأنّ السلطة تبقى تحت الرقابة المستمرة والوعي الجماعي.

theme::common.loader_icon