خاص "الجمهورية"-
عامٌ من كبح الحروب لا إنهائها، وإدارة الأزمات لا حلّها، واقتصاد عالمي يمشي على حافة مخاطر مؤجَّلة، فيما الأنفاس محبوسة بانتظار العام المقبل. لم يكن عام 2025 عاماً للحلول الكبرى، بل عاماً لتفادي الانهيارات الكبرى. في السياسة الدولية، كما في الحروب والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا، ساد منطق واحد تقريباً: ضبط التصعيد بدل حسمه، إدارة الصدمة بدل معالجتها من جذورها، وتأجيل القرارات الصعبة إلى إشعار آخر. العالم لم يتقدّم نحو تسويات نهائية، لكنّه نجح، بصعوبة، في منع الانفجار الشامل.
بالنسبة إلى لبنان، لم يكن هذا المشهد العالمي تفصيلاً بعيداً. كان انعكاسه مباشراً: استقرار أمني هشّ، اقتصاد منكشف بالكامل على الخارج، ومصير داخلي معلّق على قرارات تُتخذ في عواصم كبرى أكثر ممّا تُتخذ في بيروت.
دخلت الولايات المتحدة عام 2025 مثقلة بتداعيات الانتخابات الرئاسية التي جرت في 5 تشرين الثاني 2024، لكنّ الاتجاه الفعلي للسياسة الأميركية لم يتّضح إلّا خلال هذا العام. واشنطن اختارت بوضوح مقاربة خفض المخاطر، لا خوض المغامرات. الهدف لم يكن إعادة تشكيل النظام الدولي، بل منع انهياره.
اقتصادياً، شكّل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة في 18 أيلول محطة مفصلية. القرار عَكَس اقتناعاً بأنّ موجة التضخّم التي أرّقت الأسواق بدأت بالانحسار، لكنّه حمل تزامناً رسالة قلق واضحة من تباطؤ النمو العالمي. الأسواق المالية تجاوبت سريعاً، ثم عادت إلى منطق الحذر، مدركةً أنّ زمن النمو السهل انتهى.
سياسياً، بدت واشنطن أكثر حزماً في ضبط حلفائها. الرسائل الأميركية التي أُرسلت إلى إسرائيل بعد تصعيد الجبهة الجنوبية اللبنانية في 12 شباط لم تكن ملتبسة: لا ضوء أخضر لحرب إقليمية، مهما بلغت الحسابات العسكرية. هذا السقف الأميركي بقيَ قائماً حتى 29 كانون الأول 2025، على رغم من كل الضربات والتهديدات المتبادلة.
في المقابل، واصلت الولايات المتحدة تصعيد المواجهة التكنولوجية مع الصين، لكن بأدوات محسوبة. تحديث ضوابط تصدير الرقائق المتقدّمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي في 7 تموز، ليفتح فصلاً جديداً من الصراع بين القوّتَين، صراع لا تُطلق فيه الصواريخ بل تُستخدم فيه سلاسل الإمداد والقدرة الحسابية كسلاح.
السيناريو المرجّح في 2026 هو استمرار النهج الأميركي: نمو اقتصادي بطيء، خفض محدود إضافي للفائدة، وإدارة دقيقة للصراعات الخارجية. الخطر الأكبر يكمن في تحوّل المواجهة التكنولوجية مع الصين إلى صدام اقتصادي أوسع، وهو احتمال لا يزال محصوراً لكن غير مستبعَد.
بالنسبة إلى لبنان، تعني هذه السياسة استمرار المظلّة التي تمنع الحرب، مقابل ضغط سياسي ومالي دائم لإجراء إصلاحات طال انتظارها.
إسرائيل والتزاماتها
في الشرق الأوسط، كان عام 2025 تجسيداً كاملاً لفكرة «الهدنة بلا سلام». العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في غزة بلغت مرحلة مفصلية في 14 كانون الثاني، لكنّها لم تُنتِج مساراً سياسياً قابلاً للحياة. تزامناً، تحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة اشتباك منخفض الوتيرة، مع تصعيد بلغ ذروته قرب نهر الليطاني في 3 نيسان.
على رغم من خطورة المشهد، بقِيَت المواجهة ضمن حدود محسوبة حتى 29 كانون الأول. السبب لم يكن رغبة في التهدئة، بل توازن ردع دقيق فرضته حسابات إسرائيلية، ضغوط أميركية، وخيارات إيرانية حذرة.
إيران لعبت خلال العام لعبة الاقتراب من الحافة من دون السقوط. حوادث استهداف الملاحة في البحر الأحمر في 22 أيار، رفعت مستوى التوتر الإقليمي، لكنّ طهران تجنّبت المواجهة المباشرة، مفضّلةً إرسال الرسائل عبر الحلفاء والأدوات غير المباشرة.
في المقابل، ركّزت دول الخليج على حماية أسواق الطاقة. إعلان السعودية في 9 حزيران تمديد التعديلات الطوعية في إنتاج النفط ساهم في ضبط الأسعار عالمياً، في وقت باتت فيه المضائق البحرية، من باب المندب إلى مضيق هرمز، عنصراً أساسياً في تسعير النفط والمخاطر السياسية.
عام 2026 في الشرق الأوسط، مرشّح لأن يشبه 2025 لكن بهوامش أضيَق. السيناريو الأساسي هو استمرار الاشتباكات المحدودة بلا حرب شاملة، لكنّ الخطر الحقيقي يتمثّل في خطأ حسابي واحد، خصوصاً على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية، حيث يكفي حادث غير محسوب لقلب المعادلة. بالنسبة إلى لبنان، يبقى الأمن شرطاً أولياً لأي أمل بانتعاش سياحي أو اقتصادي، ولو محدود.
أمن أوروبا
في أوروبا، لم تحمل حرب أوكرانيا مفاجآت ميدانية كبرى خلال 2025، لكنّها تحوّلت إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. قرار الاتحاد الأوروبي إنشاء إطار دعم عسكري طويل الأمد لكييف في 1 آذار غيّر طبيعة الصراع، محوّلاً إياه إلى اختبار للقدرة الصناعية والاقتصادية بقدر ما هو مواجهة عسكرية.
إعلان ألمانيا وفرنسا في 17 حزيران عن حوافز ضخمة للصناعات الدفاعية، كشف عن تحوّل عميق في التفكير الأوروبي، فلم يعُد الأمن مسألة عسكرية فقط، بل جزءاً من السياسة الصناعية والاقتصادية. في المقابل، عاد ملف الهجرة بقوّة إلى الواجهة بعد ارتفاع العبور عبر البحر المتوسط في 28 آب، ما زاد الضغط على حكومات الجنوب الأوروبي، وأعاد الاعتبارات الداخلية إلى صدارة القرار السياسي.
وبريطانيا حافظت على تناغمها مع الموقف الغربي عبر اتفاقيات أمنية جديدة مع أوكرانيا في 12 تشرين الأول. عام 2026 مرشّح لأن يشهد استمرار هذا النهج، مع خطر حقيقي من إرهاق سياسي داخلي قد يحدّ من قدرة أوروبا على الاستمرار في تحمّل كلفة الحرب.
اقتصادياً، لم يشهد العالم انهياراً في 2025، لكنّه دخل مرحلة تفكُّك مُدار. اضطرابات الشحن الناتجة من التوتر في البحر الأحمر، تفاقمت في 11 شباط، وأعادت رسم خرائط التجارة العالمية ورفعت كلفة النقل والتأمين. لكن بقي النظام الاقتصادي العالمي متماسكاً بفضل تدخّلات نقدية منسّقة وإدارة حذرة لأسواق الطاقة.
الحرب السيبرانية
في الفضاء السيبراني، شكّل الكشف عن هجوم واسع استهدف بنى تحتية أوروبية في 19 أيلول، إنذاراً جدّياً لطبيعة الصراعات المقبلة. أمّا الذكاء الاصطناعي، فدخل مرحلة التنظيم غير المتكافئ، مع صدور إرشادات أوروبية تطبيقية في 15 كانون الأول مقابل نهج أميركي أكثر مرونة أعلن عنه في 21 تشرين الأول.
عام 2026 مرشّح لأن يكون عام الاستقرار الهشّ. لا حرب عالمية في الأفق، لكنّ العالم يقف على خط تماس دائم. أي حادثة بحرية، خطأ عسكري، أو صدمة سيبرانية واسعة قد تغيّر المشهد بسرعة.
لبنان يقف عند قلب هذا التقاطع. التهدئة الإقليمية قد تفتح نافذة صغيرة لالتقاط الأنفاس، لكن من دون إصلاحات جدّية في المالية العامة والقطاع المصرفي والإدارة، سيبقى البلد أول المتضرّرين من أي اهتزاز خارجي.
لم يسقط النظام الدولي في 2025، لكنّه خرج أكثر ضعفاً. عام 2026 لن يكون عام الاطمئنان، بل عام الحسابات الدقيقة. في عالم هدنة بلا سلام، لا مكان للحياد السلبي ولا للانتظار الطويل، ولبنان أكثر مَن يعرف ثمن التأجيل.