كأس أمم إفريقيا: لماذا تتأخّر منتخبات الشرق عن البقية؟
كأس أمم إفريقيا: لماذا تتأخّر منتخبات الشرق عن البقية؟
ليام ثارم - نيويورك تايمز
Monday, 29-Dec-2025 07:13

في يومٍ مزدحم بمواجهات قارية لافتة في كأس الأمم الإفريقية، قد تمرّ مباراة أوغندا وتنزانيا بهدوء على هامش الاهتمام الجماهيري والإعلامي. تزامناً، تتّجه الأنظار تلقائياً إلى صدام نيجيريا وتونس، إذ يلتقي بطلان سابقان بتاريخٍ ثقيل، أو إلى مواجهة جمهورية الكونغو الديمقراطية والسنغال، وهي مباراة تحمل كل مواصفات صراع الكبار في القارة السمراء. ومع ذلك، فإنّ اللقاء الذي يجمع أوغندا وتنزانيا يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرّد كونه مباراة عادية في دور المجموعات.

لقاء لا يتكرّر كثيراً؛ إذ لا يتجاوز عدد المواجهات الرسمية بين المنتخبَين 6 مباريات فقط عبر التاريخ، وهو أول صدام شرق إفريقي خالص في كأس أمم إفريقيا منذ 2019، عندما التقت كينيا وتنزانيا في القاهرة. رمزية الحدث تتجاوز حدود الملعب، خصوصاً أنّ أوغندا وتنزانيا، إلى جانب كينيا، تستعد لاستضافة نسخة 2027، في لحظة مفصلية قد تُعيد الشرق إلى قلب الخريطة الكروية القارية، بعد غياب طويل عن الأضواء.

 

فالواقع التاريخي لا يرحم: لم يُحرز أي منتخب من شرق إفريقيا اللقب سوى مرّتَين فقط، إثيوبيا عام 1962، والسودان عام 1970، وكلا الإنجازَين تحققا على أرض المضيفين. أمّا آخر ظهور لمنتخب من المنطقة في المباراة النهائية، فيعود إلى عام 1978 عندما بلغت أوغندا النهائي. فظلّت المنطقة حاضرة على الهامش، تراقب أمجاد الغرب، الشمال والجنوب من بعيد.

 

لماذا بقيت دول الشرق متأخّرة كروياً؟

وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا بقيت دول الشرق متأخّرة كروياً مقارنةً بمناطق إفريقية أخرى، على رغم من الشغف الجماهيري والتاريخ العريق للعبة في هذه البلدان؟

 

غالباً ما يُختزل المشهد الرياضي في شرق إفريقيا في صورة نمطية واحدة: مصانع أسطورية لعدّائي المسافات الطويلة. من كينيا إلى إثيوبيا وأوغندا، تحصد هذه الدول الميداليات في الألعاب الأولمبية وبطولات العالم، وتسيطر على سباقات الماراثون العالمية. هذا التفوّق الاستثنائي في ألعاب القوى، على غرار ما تمثله جامايكا في سباقات السرعة أو نيوزيلندا في الرغبي، جعل العالم ينظر إلى شرق إفريقيا من زاوية واحدة، ويتجاهل ما عداها.

 

لكنّ هذه الصورة لا تعكس الواقع الكامل. فبحسب الصحافي ألاسدير هاوورث، المتخصِّص في شؤون كرة القدم الإفريقية، فإنّ كرة القدم تظل الرياضة الأولى جماهيرياً في معظم دول شرق إفريقيا، مع وجود استثناءات مناطقية مثل الانتشار الواسع للرغبي في أجزاء من كينيا وأوغندا. ويؤكّد هاوورث أنّ إثيوبيا، كينيا، أوغندا وتنزانيا هي دول «مهووسة بكرة القدم»، وأنّ ما شهدته المنطقة في ستينات وسبعينات القرن الماضي من ثقافة كروية وزخم جماهيري، لا يقلّ عن أي منطقة أخرى في القارة، فكانت الملاعب في نيروبي وكامبالا تمتلئ بعشرات الآلاف من المتفرّجين.

 

مع ذلك، فإنّ الحاضر يختلف عن الماضي. فوفقاً لماكسويل موتاي، الباحث في الميكانيكا الحيَوية، فإنّ الشرق لا يزال متأخّراً بنيوياً عن الغرب، سواء بالبنية التحتية أو منظومات تطوير المواهب. ويشير إلى عوامل تبدو بسيطة لكنّها مؤثرة، مثل الأمطار الغزيرة التي تُتلِف الملاعب الترابية وتُعيق تدريب الأطفال، بالإضافة إلى غياب الثقة المجتمعية في كرة القدم كمهنة مستقبلية، ما يدفع الكثير من المواهب إلى التوقف مبكراً.

 

ضعف الاستثمار وسوء الإدارة

وتبرز هنا أيضاً عوامل ديموغرافية وجينية. فالغالبية الساحقة من عدّائي المسافات الطويلة في كينيا وأوغندا ينتمون إلى قبيلة الكالينجين في وادي الصدع، بينما يأتي عدد كبير من لاعبي كرة القدم من مناطق بحيرة فيكتوريا، حيث يقطن شعبا اللوو واللوهيا، وتنحدر أيضاً أنجح الأندية الكينية مثل غور ماهيا وأف سي ليوباردز. ويلاحظ موتاي أنّ البنية الجسدية لهؤلاء اللاعبين أقرب إلى لاعبي الغرب منها إلى عدّائي المسافات الطويلة، ما يعكس تنوّعاً داخلياً لا ينعكس دائماً في السياسات الرياضية.

 

كينيا، في هذا السياق، تمثل نموذج «الفرصة الضائعة». يصفها هاوورث بأنّها أكبر مَن أخفق في تحقيق إمكاناته الكروية، مشيراً إلى أنّ الهَوَس الشعبي بالدوري الإنكليزي الممتاز يأتي أحياناً على حساب تطوير الدوري المحلي. ويُضاف إلى ذلك ضعف الاستثمار وسوء الإدارة، الذي بلغ ذروته عام 2022 حين فُرض حظر دولي على الاتحاد الكيني بسبب شبهات فساد. وعلى رغم من عودة الأمور تدريجاً إلى المسار الصحيح وتعيين بيني مكارثي مدرباً للمنتخب، فإنّ الطريق لا يزال طويلاً. في المقابل، تبدو أوغندا أكثر استقرارًا نسبياً، إذ طوّرت عدداً من الأكاديميات الجيّدة، نظّمت دوريها بشكل أفضل، وصدّرت لاعبيها إلى الخارج. كما استفادت بشكل أوضح من جاليتها الاغترابية. ويُعدّ المدرب البلجيكي بول بوت أحد مفاتيح هذا التقدُّم، بخبرته الطويلة في القارة، وقيادته السابقة لمنتخبات عديدة، أبرزها بوركينا فاسو التي قادها إلى النهائي عام 2013.

 

أمّا تنزانيا، فتُقدِّم حالة مختلفة تماماً، فدوريها المحلي يُعدّ من الأكثر إثارة في القارة، بفضل قطبَي دار السلام، يانغ أفريكانز وسيمبا، اللذَين يشبه صراعهما صراع برشلونة وريال مدريد. يتمتع الناديان بموارد مالية كبيرة، قاعدة جماهيرية ضخمة، ونموذج ملكية اجتماعي يمنح الجماهير دوراً مباشراً. وقد انعكس ذلك في الحضور القاري المتكرّر، وبلوغ يانغا ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا أخيراً.

 

في خضم هذا المشهد، يُطرح دائمًا دور «القدوة». أسماء مثل مبوانا ساماتا، فيكتور وانياما، وماكدونالد ماريغا، شكّلت نقاط إلهام لجيل كامل. وحتى النجوم ذوي الأصول الشرق إفريقية الذين لا يمثلون بلدان المنطقة، مثل ناومي غيرما وألكسندر إيزاك، يحملون رمزية معنوية. ومع ذلك، يرى هاوورث أنّ تأثير هذه الرموز غالباً ما يُبالغ فيه، إذا لم يُترجَم إلى استثمارات حقيقية في الداخل.

theme::common.loader_icon