يطوي لبنان في 27 من تشرين الثاني عاماً على وقف إطلاق النار مع الاحتلال الإسرائيلي، كان ثقيلاً بالتحدّيات، قد يكون الأخطر في «تاريخ المواجهة مع العدو» منذ مجزرة حولا عام 1948، حين دخلت مجموعة من عصابات الهاغانا إلى البلدة في أواخر تشرين الأول، فاعتقلت العشرات من الأهالي وجمعتهم في منزل ثم فجّرته، وفي اليوم الثاني أعدمت العشرات بالرصاص من النساء والرجال في البلدة راح ضحيّتها نحو 70 مدنياً.
منذ ذلك التاريخ لم يمضِ يوم على لبنان من دون أن يُسجّل اعتداءً إسرائيلياً، وفيما كانت السلطة اللبنانية تعوّل على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بوقف هذه الاعتداءات، استهدفت طائرات إسرائيلية القائد العسكري في «حزب الله»، هيثم الطبطبائي، في قلب ضاحية بيروت الجنوبية، ممّا يضع لبنان أمام واقع جديد، يفرض مراجعة التعامل مع هذه الإعتداءات المتصاعدة، والتصدّي للأطماع الإسرائيلية بمياهنا وثرواتنا. وفي حصاد سنة من إعلان وقف الحرب سُجِّلت التطوّرات التالية:
1- في 27 تشرين الثاني 2024، أعلِن وقف إطلاق النار وفق القرار 1701 بآليات اتُفِق عليها، من بينها انسحاب «المقاومة» من جنوب الليطاني وانتشار الجيش اللبناني بالتزامن مع انسحاب قوات الاحتلال من النقاط الخمس إلى ما بعد الخط الأزرق. منذ اليوم الأول حاولت إسرائيل عرقلة عودة الأهالي، لكنّ إرادة التحرير أجبرت إسرائيل على الانسحاب من عشرات القرى في الجنوب.
2- التزم «حزب الله» باتفاق وقف إطلاق النار تأكيداً لوحدة الموقف مع الجيش والحكومة. وأثمر هذا التعاون انتشار أكثر من 9 آلاف جندي لبناني وتسليم عشرات المستودعات من الأسلحة التي مُنع الجيش من الاحتفاظ بها. في وقت سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 7 آلاف انتهاك واعتداء إسرائيلي على امتداد جغرافيا لبنان من الجنوب إلى البقاع، وارتقاء مئات الشهداء وتدميرعشرات المنازل والمنشآت المدنية. وحدها لجنة «الميكانيزم» المعنية بمنع الاعتداءات، التي لم تكتفِ بأن تكون شاهد زور على العدوانية الإسرائيلية، بل رفعت من ضغوطها على لبنان والجيش الذي رفض الخضوع لهذه الضغوط، متمسِّكاً بوحدة اللبنانيِّين وبواجبه الدفاع عن سيادة وكرامة لبنان.
3- أكثر ما كان يحتاجه لبنان في هذه الأيام العجاف هو الوحدة الوطنية لحماية البلد ولملمة جراحه، لإعادة الحياة إلى ربوعه وفي مقدّمها إعادة الأهالي إلى قراهم وصَدّ العدوان وإعادة الدورة الاقتصادية إلى قطاعاته. وهو ما كان يؤمل أن تُحققه الحكومة التي أخفقت في استعادة ثقة اللبنانيِّين، لا بل عمّقت الإنقسام بينهم، بعد أن تجمّدت عند قرار حصر السلاح. فيما لبنان تحت عدوان متواصل وانتهاك لسيادته، أسقط خلال أسابيع استراتيجية الحكومة الديبلوماسية التي فشلت في حشد ديبلوماسي دولي لردع العدوان وحمايته. هذا الواقع المرير رفع منسوب الضغوط على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس المجلس نبيه بري وقائد الجيش رودولف هيكل، بفعل الوشاة السياديِّين الذين أضعفوا موقف لبنان وكشفوا ظهر الجيش بفعل السُمّ والتضليل الذي قدّموه إلى الإدارة الأميركية التي كان يُفترض أن تكون وسيطاً، فإذ بها تتبنّى أجندة تل أبيب من دون أي اعتبار للقرارات الدولية والمصالح اللبنانية. وقد بدأ الإنقسام الداخلي اللبناني يأخذ شكلاً جديداً بين فريق يؤمن بقدرات لبنان ووحدته ويرفض الإملاءات الخارجية، وفريق من الوشاة الإنتهازيِّين الذين يتبنّون الموقف الأميركي ولَو كان على حساب الوحدة وسلامة البلاد.
4- بعد عام على قرار وقف الأعمال العدائية، لم تتوقف أميركا عن ضغوطها على لبنان، إذ تشنّ حرباً اقتصادية مالية ربما هي الأخطر على مستقبل البلاد، بدأت بالحصار المالي منذ العام 2019 إلى اليوم. وحملت زيارة وفد الخزانة الأميركية الى بيروت جملة شروط تحت عنوان تجفيف مصادر «المقاومة» المالية، وخصوصاً ما يتعلّق بـ»القرض الحسن». في وقت كانت تهبط في تل أبيب طائرة شحن لعتاد وأسلحة أميركية دعماً لإسرائيل، أعلِن أنّها الشحنة الألف منذ عام، بعد أن قدّمت واشنطن دعماً مالياً قبل أشهر بلغ 8 مليارات دولار.
5- ليس صحيحاً أنّ لبنان لا يملك الخيارات في مواجهة الضغوط، فالوحدة اللبنانية وحشد مواقع القوّة من جيش وشعب ومقاومة تستعيد ثقة اللبنانيِّين وترفع مناعتهم في صَدّ الإعتداءات. وهنا يجب إعادة تحديد الأولويات الوطنية التي تبدأ بوقف العدوان، تحرير الأرض والأسرى، ثم البحث في مصير «سلاح المقاومة» ضمن استراتيجية الأمن الوطني، وليس كما تريد إسرائيل نزع السلاح كأولوية، في ظل استباحة لبنان وعدم الإلتزام بالقرارات الدولية. أمّا على الصعيد الاقتصادي أيضاً، فلبنان يحتاج إلى استراتيجية نظيفة وشفافة بعيداً من الكَيدية والقفز فوق الدستور والقانون والتوازنات الوطنية. فقد تمكنت حكومة الرئيس ميقاتي، وعلى رغم من الإنهيار المالي والاقتصادي الذي شهدته البلاد، من رفع الاحتياط المالي لدى مصرف لبنان بالعملات الصعية إلى 8 مليارات دولار ووفرة لصالح الخزينة بمليارَي دولار. في حين لا يزال البنك الدولي يفاوض لبنان ويضع الشروط التعجيزية مقابل الحصول على 400 مليون دولار، وهو ما يؤكّد أنّ لبنان يستطيع النهوض بما يملك من إمكانات تحتاج إلى حوكمة وإدارة رشيدة.
ونحن على مسافة 83 عاماً عن الاستقلال، نجح اللبنانيّون بوحدتهم في تحقيق قيام لبنان الكبير الذي تمزّق بفعل الحرب الأهلية، حين كانت إرادة الخارج أقوى من مناعتهم الوطنية، ونجحوا مرّة أخرى في التحرير عام 2000 وتفرّقوا بعدها بنزاعات طائفية، دفعت المنطقة العربية إليها ذات «ربيع عربي». وبين استقلال لم يُنجَز وتحرير لم يكتمِل، فليثق اللبنانيّون في وطنهم، وأنّ وحدتهم في سبيل لبنان السيّد الحرّ المستقل النهائي لجميع أبنائه، هو الطريق إلى قيام الدولة القادرة على حماية الشعب وتحرير الأرض ووقف العدوان والنهوض بالإقتصاد والإستثمار في ثرواته، وليس بالإنقسام والإستقواء بالغريب والوشاية وبث السموم تُبنى الدول وتحيا الأوطان.
وحدة اللبنانيِّين على أولوياتهم الوطنية والدخول العربي المصري السعودي وعدم ترك الأميركي يتفرّد بالواقع اللبناني، تمنح لبنان هامشاً من القوّة في التفاوض الذي أعلن الرئيس عون الإستعداد للإنخراط به برعاية أميركية أو أممية، ينطلق من ثوابت التمسك بالقرارات الدولية التي أكّدت على وقف العدوان والإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة واستعادة الأسرى، ثم حصر السلاح وفق استراتيجية الأمن الوطني التي أعلنها رئيس الجمهورية في خطاب القَسَم، وتمكين الجيش من بسط سيطرته على كل الأراضي اللبنانية وحمايتها.
في الختام، نستحضر قول جورج واشنطن، أنّ ‹الإستعداد للحرب هو أفضل الوسائل للمحافظة على السلام». ويقول مُوحِّد ألمانيا أوتو فون بسمارك، إنّ «قوّة الدولة لا تُبنى بالكلمات، بل بما تستطيع الدفاع به عن حدودها».