بعد حملة انتخابية مثيرة للجدل، وضع زهران ممداني، أندرو م. كومو، وكيرتس سليوا مصيرهم بين أيدي الناخبين.
كان واحداً من أكثر المواسم الانتخابية المحلية متابعة في مدينة نيويورك منذ سنوات، وأخيراً يوشك سباق رئاسة البلدية على نهايته.
قد تكون نتيجة الانتخابات قادرة على إعادة تشكيل البنى التقليدية للسلطة في المدينة، وإرسال رسالة على مستوى وطني بشأن الاتجاه الذي يسلكه الحزب الديمقراطي بعد هزيمته الكارثية في الانتخابات الرئاسية العام الماضي.
وتأتي هذه الانتخابات وسط تصادم بين قوى محلية ووطنية، تشمل تصاعد حملات الترحيل، تزايد الاستقطاب السياسي، والقلق الاقتصادي من تكاليف المعيشة.
جذبت الحملة اهتماماً عالمياً كبيراً، جزئياً لأنّ المُتصدّر في استطلاعات الرأي، زهران ممداني، يُعدّ خياراً غير متوقع لمدينة تُعتبر عاصمة الرأسمالية في الولايات المتحدة. يسعى ممداني (34 عاماً)، الاشتراكي الديمقراطي بسيرة ذاتية محدودة، إلى فرض ضرائب على الأثرياء لتمويل برامج اجتماعية جديدة واسعة، ويرفض وجود دولة يهودية في إسرائيل. كما أنّه سيكون أول مُسلم يتولّى هذا المنصب.
وممداني من بين المرشحين الثلاثة الأبرز لخلافة رئيس البلدية إريك آدامز، الذي خسر الانتخابات التمهيدية بعد فترة مليئة بالفضائح. أمّا المرشحان الآخران اللذان يُعتبران من المنافسَين الجديَّين فهما أندرو م. كومو (67 عاماً)، الحاكم السابق الذي يخوض السباق كمرشح مستقل، وكيرتس سليوا (71 عاماً)، الجمهوري مؤسس منظمة «ملائكة الحراسة» (Guardian Angels).
على مدى الأشهر الـ5 التي تلت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في حزيران، تنافس الثلاثة على تحسين مواقعهم، لكنّ ترتيبهم في استطلاعات الرأي بقيَ ثابتاً إلى حدّ كبير. لا يزال ممداني متصدّراً، يَليه كومو ثم سليوا.
سيحسم التصويت ما إذا كان هذا الترتيب سيبقى على حاله أم سيتغيّر بطريقة غير متوقعة. وتشير التوقعات إلى نسبة إقبال مرتفعة، إذ أدلى أكثر من 735 ألف شخص بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر، أي أكثر من 4 أضعاف عدد الذين صوّتوا مبكراً في انتخابات عام 2021.
سليوا أدلى بصوته مبكراً. أمّا ممداني فصوّت صباح أمس قرب منزله في كوينز، في حين صوّت كومو لاحقاً في مانهاتن. وأعلن ممداني في مركز الاقتراع أنّه سيُصوّت بـ»نعم» على مقترحات الإسكان المدرجة في الاقتراع، التي تهدف إلى تسريع مشاريع الإسكان الميسّر، وتحويل بعض صلاحيات الموافقة عليها من مجلس المدينة إلى مكتب رئيس البلدية. وكان هذا موضوعاً تجنّب سابقاً الإفصاح عن موقفه منه. وسيختتم المرشحون الثلاثة مساءهم بحفلات لمتابعة نتائج الانتخابات، يُحضّرها مؤيّدون متحمّسون وصحافيّون.
ترامب يتدخّل
من جهة أخرى، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب سكان نيويورك، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى التصويت لكومو، وهدَّد بحجب الأموال الفيدرالية عن المدينة إذا فاز ممداني. وأمس، صعّد ترامب لهجته ضدّ ممداني، موجّهاً إهانة لليهود من سكان نيويورك الذين يدعمونه.
وكتب ترامب في منشوره: «أي شخص يهودي يصوّت لزهران ممداني، الكاره لليهود المثبت والمعترف بنفسه، هو شخص غبي!!!». وقد نفى ممداني كونه معادياً للسامية، وسعى إلى التواصل مع المجتمع اليهودي، وتعهّد بحماية سكان نيويورك اليهود إذا انتُخب.
الناخبون المؤيّدون لممداني يُريدون رعاية أطفال مجانية. فكيف سينفّذ ذلك؟
تعهّد بإنشاء نظام لرعاية الأطفال مجاناً لجميع العائلات في المدينة، بغضّ النظر عن مستوى الدخل، وهو وعد يستهدف بشكل مباشر الآباء، أو مَن يُخطِّطون لأن يصبحوا آباء، لأطفال صغار.
تحقيق هذا الهدف سيتطلّب تجاوز متاهة لوجستية ومالية، تشمل دمج منظومة معقّدة من مزوّدي الرعاية العامة والخاصة، خلق مساحات جديدة للحضانات، توظيف عشرات المعلمين الجدد، وإعادة هيكلة ميزانية المدينة البالغة نحو 116 مليار دولار.
إذا انتُخِب، فسيواجه ممداني ضغوطاً هائلة لتحقيق وعده. فبعض أكثر مؤيّديه حماسة هم من الشباب الطموحين في المدينة الذين يكافحون لتأسيس أُسَر. وقد حوّل الإحباط من تكاليف رعاية الأطفال هذه المسألة من همّ عائلي خاص إلى قضية سياسية محلية أساسية.
وأوضح ممداني، وهو عضو في مجلس الولاية عن كوينز، في مقابلة حديثة: «كنتُ أسمع هذا مراراً وتكراراً في حياتي الشخصية، عندما كان أصدقائي يُخبرونني عن خططهم للاستقرار وتأسيس أسرة، وكيف يعني ذلك بالنسبة إليهم ضرورة مغادرة مدينة نيويورك، وكانت كلفة رعاية الأطفال جزءاً كبيراً من السبب».
على المقلب الآخر، كومو كان نادماً على فضيحة التحرّش الجنسي. ولم يَعُد كذلك الآن. قبل 4 سنوات، لم يكن أحد، حتى كومو نفسه، يُنكر أنّه كان يُحبّ معانقة أعضاء فريقه، أو أنّه كان يستخدم أحياناً عبارات مودة مثل «حبيبتي» عند مخاطبة النساء منهم، وهو سلوك اعترف بأنّه قديم الطراز.
وعندما كشفت إحدى أفراد طاقم حمايته أنّه لمسها بطريقة ذات طابع جنسي، ادّعى أنّه لا يتذكّر الحادثة، وأنّه لم يقصد أي دافع جنسي، لكنّه أضاف: «إذا قالت إنّني فعلت ذلك، فأنا أصدّقها».
وعندما تسبِّبت مجموعة من نحو 12 شكوى تحرّش جنسي في دفعه إلى الاستقالة، اعترف بالنساء «اللواتي أسأت إليهن حقاً. لهذا، أقدّم اعتذاري العميق والعميق جداً».
لم يَعُد كومو نادماً كما كان. فهو الآن، بحسب روايته، الضحية. ومع شروعه في رسم طريق لإحياء مسيرته السياسية، بدأ في مواجهة الاتهامات بشراسة أكبر. فقد ألمح في مقابلات وخطب إلى أنّه ضحية «ثقافة الإلغاء»، وإن كان مذنباً بشيء، فهو كونه «قديم الطراز ومنفصلاً عن معايير اليوم».