لبنان مزدحم بالأسئلة الوجودية: إلى أين نذهب؟ ولماذا؟ وما العمل؟
لبنان مزدحم بالأسئلة الوجودية: إلى أين نذهب؟ ولماذا؟ وما العمل؟
محمود القيسي
Tuesday, 04-Nov-2025 07:14

«المنطقة التي تفصل الدماغ عن الروح تتأثر بالتجربة بشتى الطرق... بعضهم يفقد عقله ويُصبح روحاً: المجنون. بعضهم يفقد روحه ويُصبح عقلاً: المثقف. وبعضهم يفقد الاثنَين معاً: المقبول اجتماعياً».

تشارلز بوكوفسكي

يقول إنسان شبه مُحطّم أو بقايا مواطن من لبنان فاقد الأمل: «أصبح تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، إذا كان هناك أي مستقبل، مجرّد تناول طعام فاسد، ودواء فاسد فاقد الصلاحية أو مُزوّر، وتقسيط فواتير متراكمة تُضاف إليها الفوائد على كل تأخير، في دولة أصبحت آخر الدول المتأخّرة. والوقوف في طوابير طويلة تنتهي فيها أعمارنا ولا تنتهي في انتظار دورنا أو موتنا البطيء... حين نظرتُ إلى الفئران الممدّدة في المصيَدة، ونظرتُ إلى فقري وثيابي وزوجتي وأبنائي ووجه الله... علمتُ أنّه لم يَعُد بإمكان أي شيء أن يؤذيني، يمكنني أن أنطلق نحو الليل والشارع من دون أمل أو رجاء... أعلم أنّني على قَيد الموت في الطوابير أنتظر موتي... لم يَعُد يراودني سوى بضعة أسئلة وهدية لم أعد أخشى أن أفتحها... أين الشعب والنخب ومجلس الشعب وحكومات تصريف البيزنس تاريخياً لحساب أمراء الطوائف والمِلل، والنقابات وأين أصبح موضوع النفايات؟».

 

أين الحراك أو الثورة أو الكذبة المستوردة من دول وشركات صناعة «الثورات» الاجتماعية؟ وأين الشركاء والأجراء والمستأجرون؟ أين ما تبقّى من الجامعة المستعربة؟ أين المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة؟ أين جمعيات حقوق الإنسان والحيوان والمنظمات غير الحكومية وكذبة المساعدات الإنسانية في جمعيات الدولة العالمية العميقة؟

 

أين وكيف ولماذا وما العمل؟! أعتقد، بل أكاد أجزم أنّ الأدوات والوسائل الذكية الحديثة في مجتمعات الاستبداد والنزاع، ليست سوى نخب «اصطناعية»، أو مجرّد أدوات ووسائل «حديثة افتراضية»، تعمل من خلال شبكات «متقاطعة»، أو كلمات وأجندات مشبوهة في تقاطعاتها وأهدافها ونتائجها وتوصياتها، لإعادة «رسم» خرائط المنطقة بما يخدم «استراتيجية النيوليبرالية» الحديثة، ووظائف جديدة موزّعة بين اليمين العالمي أو اليسار السيّار الانتهازي، والوسط، أو «النيو - كولونيالية» الحديثة في المئة سنة المقبلة؟!

 

النخب التي تأتي في مرحلة معيّنة مثل «الطوفان» تارةً بصفة «الربيع»، وتارةً أخرى بصفة «الخريف»، وطوراً بحجة «الثورة»، وطوراً آخر بحجة «المقاومة» على الولاية الإيرانية... وحيناً بشعارات «التحرير» أو التحريف، من دون أن ندري كيف ولماذا... وحيناً آخر بأعلام «الوحدة» التي لم تكن موجودة يوماً، ومرّةً بإسم «التغيير» والنفير والتنفير، ومرّةً أخرى «كلّن يعني كلّن» وأخواتها...

 

«بسبب خوفه من العزلة، صنعنا... وبسبب الخشية من الأبدية، أعطانا زماناً... أسمع عكّازه الأبيض يُطَقطِقُ أعلى وأسفل في الفناء. أتوقّع شكوى من الجيران من دون جدوى تجدي من الشعوب النائمة والمُنوَّمة. إنّها الثانية إلّا رُبعاً بعد منتصف الليل في هذه البلاد المكتظة بالفقراء التائهين بين المخيّمات والمنصّات والمصارف والسماسرة واللصوص وشركات الرهن المُعتمة والفنادق المقفلة والمستشفيات المسالخ والأبنية المتروكة من دون كهرباء، وحنّا السكران المنطفئ من الأغاني الثورية الكاذبه والمُضلِلّة... وواحدة من الدمى رثة الثياب لا تزال مستيقظة، لا ندري إلى أين نذهب وكيف، ولا لماذا، وما العمل!

 

لم نَعُد نعلم في بلادنا إلى أين ولماذا، وما العمل في ظل تجاذب وكباش طبقة أفلست سياسياً وأفلست الشعب مادياً ومعنوياً منذ عوّدونا وتعوّدنا على غيابنا الذاتي والموضوعي. حياتنا أصبحت مثل قصة البحّار الإسباني رامون سامبيدرو الذي أصبح مشلولاً تماماً بعد حادث غَوص مأساوي، لكنّه يختلف عنّا على رغم من حالته، يرفض الاستسلام كما هي حالنا نحن «ورثة» الفينيقيِّين والكنعانيِّين، ويخوض معركة قانونية طويلة، لكن مجدية - مثل التي نحتاجها ضدّ كل الطبقة السياسية الفاسدة - للمطالبة بحقه في «الموت بكرامة» أو الحياة بكرامة.

 

لكنّ حياته تتغيّر حين تدخلها امرأتان: إحداهما محامية تؤمن بحقه في الرحيل، والأخرى تمنحه سبباً جديداً للحياة. بين الألم والأمل، يدفعه الصراع الداخلي لاكتشاف المعنى الحقيقي للحُرّية والكرامة الإنسانية والعمق الإنساني الغائب عنّا بإرادتنا الغائبة.

 

العمق الإنساني بين المثالية والواقعية كما رسمها رافاييل في لوحته الشهيرة «مدرسة أثينا»، التي تُظهر أفلاطون مشيراً بيَده إلى الأعلى (عالم المثل)، أي الحقيقة العليا المجرّدة التي تتجاوز العالم المادي، بينما يُشير أرسطو إلى الأسفل، وهذه ليست حركة عابرة بل رمز فلسفي عميق.

 

عنده، ما نراه في حياتنا ليس سوى ظلال وصور ناقصة، أمّا الحقيقة الكاملة فهي في عالم المثُل، عالم ما وراء الطبيعة. بينما أرسطو يمدّ يَده إلى الأمام وبكفّه نحو الأسفل، في إشارة إلى أنّ الفلسفة يجب أن تنطلق من التجربة الحسية والواقع الملموس.

 

عنده، المعرفة تُبنى من دراسة هذا العالم، من الملاحظة والتجريب والمنطق، وليس الانتظار العبثي كما فعل «غودو» صموئيل بيكت العبثي في الانتظار القاتل ببطء شديد، لا من الانفصال عنه نحو الحياة.

 

لخّص رافائيل بلقطة بسيطة الفرق الجوهري بين المدرستَين المثالية: الأفلاطونية مقابل الواقعية الأرسطية التي نحتاجها في لبنان في مواجهة طبقة سياسية تمادت في اغتصاب الكرامة الوطنية والإنسانية معاً. لا تُصفقوا أيّها اللبنانيّون بعد اليوم لأحد الزعماء ولا لأحد، فلا تقعوا في «فخ التصفيق» ودفع الثمن، كما حدث تاريخياً مع أول مَن توقّف عن التصفيق في البلاد التي تنمو فيها الديكتاتوريات على تصفيق شعوبها مثل الفطريات السامة!

theme::common.loader_icon