ترامب وبوتين: توترات وحسابات تسوية رغم العقوبات
ترامب وبوتين: توترات وحسابات تسوية رغم العقوبات
د. خالد العزّي
Saturday, 01-Nov-2025 06:49

فرض الإتحاد الأوروبي في 23 تشرين الأول حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، عُرفت بالحزمة 19، وذلك في ظل تراجع توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو عقد قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في هذا السياق، حثّ المشرّعون الأميركيّون على السَير في الاتجاه عينه، ودفعوا باتجاه تشريعات جديدة لفرض عقوبات إضافية على روسيا. استمرّت العقوبات الأميركية، التي كانت قد بدأت في عام 2014 على خلفية ضمّ روسيا للقرم، في التصاعد تدريجاً، مستهدفة قطاعات اقتصادية واسعة، بما في ذلك الطاقة، المصارف، القطاع الدفاعي، وكذلك أفراداً مقرّبين من بوتين.

العقوبات الأميركية: أداة الضغط والحدود الفعّالة في التعامل مع روسيا
هل بات الرئيس ترامب يرى أنّ آفاق التسوية مع بوتين قد أُغلِقت؟ كان ترامب، المعروف بشغفه بالصفقات، دائماً يراهن على أسلوب التفاوض المباشر والضغط لتحقيق أهدافه. ومن خلال تعامله مع الرئيس الروسي، كان يسعى إلى بناء علاقات استراتيجية قد تؤدّي إلى صفقات تخدم مصالح الولايات المتحدة.
ومع ذلك، بدأت التساؤلات تتزايد أخيراً حول ما إذا كان ترامب قد بدأ يدرك أنّ فُرَص التسوية مع بوتين أصبحت محدودة، خصوصاً في ظل التوترات المتزايدة والصراعات الدولية التي يصعب تجاوزها.
كانت العقوبات الأميركية على روسيا جزءاً من استراتيجية ضغط مستمرّة على موسكو، لكنّها أثبتت أنّ مسار التصعيد الاقتصادي قد تكون له حدود. على رغم من أنّ العقوبات كانت تهدف إلى تغيير سلوك روسيا في القضايا الكبرى، مثل التدخّل في أوكرانيا وسوريا، إلّا أنّها لم تُسفر عن تغييرات جذرية في سياسات الكرملين.
كما أنّ هذا التصعيد في الضغوط الاقتصادية أتى بنتائج عكسية في بعض الأحيان، إذ أظهرت روسيا قدرتها على التكيّف مع العقوبات من خلال تحالفاتها الإقليمية وتوسيع دائرة علاقاتها مع دول أخرى مثل الصين وإيران.
كان ترامب يعتقد أنّه يمكنه تحقيق مصالحه عبر فرض شروط واضحة مقابل تقديم تنازلات. هذا النهج كان يرتكز على قناعة ترامب بأنّ العالم يعمل كصفقة ضخمة يجب أن تنتهي لصالحه.
كان دائماً يطرح نفسه كمفاوض قوّي يسعى إلى تحقيق التوازن بين مصالح الولايات المتحدة وبقية العالم. وفي حال تعذّر التوصل إلى تسوية مباشرة، كان من المحتمل أن تكون الضغوط الاقتصادية والعقوبات هي أسلوبه الأبرز.
لكن على الجانب الآخر، كان بوتين يتعامل مع ترامب وفقاً لقاعدة مختلفة تماماً، وهي تعميق الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتحديداً بين واشنطن وحلفائها في الناتو. كان بوتين يدرك أنّ ترامب ليس فقط رجل صفقات، بل أيضاً شخصية تسعى إلى تقليص التزامات الولايات المتحدة الدولية، وهو ما قد يُشكّل فرصة لروسيا لتعزيز نفوذها في أوروبا من خلال ضربات مبطنة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع أميركا.
وفي ظلّ هذه البيئة المتوترة، كان التحدّي الأكبر أمام ترامب هو إيجاد توازن بين الضغوط الاقتصادية على روسيا وبين محاولاته لتسوية النزاع في أوكرانيا.
قد تكون العقوبات الأميركية سلاحاً قوياً في التأثير على الاقتصاد الروسي، لكنّها في الوقت عينه تُعقّد أي فرصة لحوار هادئ. كلّما فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة، زادت العزلة التي تواجهها روسيا، إلّا أنّ موسكو واصلت سياساتها الإقليمية، ممّا جعل التسوية السياسية مع بوتين أكثر تعقيداً في ظل استمرار هذه الضغوط.
الإفراج الأميركي عن تسليح الأوكرانيِّين
لكن في خطوة مفاجئة، أوردت صحيفة «فاينانشيال تايمز» في تقرير لها في 15 تموز، تصريحات مثيرة لترامب، الذي يبدو أنّه لم يقتصر فقط على التحفّظ على تصرّفات أوكرانيا، بل دعا الرئيس الأوكراني إلى تكثيف الهجمات على الأراضي الروسية.
ففي مكالمة هاتفية مع زيلينسكي في 4 تموز، سأل ترامب: «هل يمكنك ضرب موسكو وسان بطرسبرغ في الوقت عينه؟»، وأجاب زيلينسكي بأنّه مستعد تماماً لتنفيذ هذا الهجوم إذا زوّدته الولايات المتحدة بالأسلحة اللازمة.
وقد أشار ترامب في تلك المكالمة إلى أنّه يدرس خطوة توجيه ضربات إلى العمق الروسي، بهدف «إزعاجهم» وإجبار بوتين على الجلوس على طاولة المفاوضات.
وبعد تلك المكالمة، قدّمت الولايات المتحدة قائمة من الأسلحة بعيدة المدى يمكن نقلها إلى أوكرانيا، مثل صواريخ ATACMS بمدى يصل إلى 300 كلم، لكنّ تلك الصواريخ لم تكن قادرة على الوصول إلى موسكو أو سان بطرسبرغ. هذا وقد طلبت كييف من واشنطن تزويدها بصواريخ «توماهوك كروز»، التي تستطيع الوصول إلى أهداف في عمق الأراضي الروسية، وهو ما كان نوقِش تفاصيله في البيت الأبيض في 11 تموز، لكنّ ترامب قرّر تأجيل هذه الخطوة راهناً.

الضغط المتزايد على بوتين
من خلال هذه التحرّكات، يبدو أنّ ترامب بدأ يتبنّى نهجاً أكثر تطوّراً في تعامله مع بوتين. بعدما اكتشف أنّ العقوبات والضغط الاقتصادي، إلى جانب تزويد أوكرانيا بالأسلحة، لن تكون كافية لإيقاف الرئيس الروسي. بدأ ترامب في الضغط على بوتين عبر خيارات أخرى قد تكون أكثر فعالية.
يعتقد ترامب أنّ هذه الخطوات ستضع بوتين أمام خيارَين: إمّا التصعيد المباشر مع الولايات المتحدة، أو القبول بمبادرة ترامب التي تدور حول وقف إطلاق النار.
في هذا السياق، يجب على بوتين أن يفهم أنّ الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، لا يسعى إلى هزيمته بشكل كامل، لكنّه في آنٍ لن يسمح له بتحقيق أهدافه في أوكرانيا أو تهديد أمن أوروبا.
من جهة أخرى، أظهر بوتين قدرة فائقة على استغلال الخلافات داخل معسكر الغرب، وخصوصاً بين الولايات المتحدة وأوروبا. عبر تعزيز هذه الخلافات، كان بوتين يسعى إلى تصعيد التوترات بين ترامب وحلفائه في الناتو، معتقداً أنّ الرئيس الأميركي، بتوجّهاته المتغيّرة، قد يكون عرضة لاستراتيجيات روسيا التي تهدف إلى تأجيج الانقسامات الغربية.
كان يدرك بوتين أنّ تعزيز هذه الانقسامات لن يُسهّل عليه فقط الحفاظ على موقفه في أوكرانيا، بل سيسمح له بتوسيع نفوذه في أوروبا على المدى الطويل.

theme::common.loader_icon