مؤسسات الدولة ليست بالضرورة فاشلة: الريجي نموذجاً
مؤسسات الدولة ليست بالضرورة فاشلة: الريجي نموذجاً
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Friday, 24-Oct-2025 07:22

في بلد تجاوز فيه توزّع المواطنين طائفياً ومذهبياً وتعدّاه إلى الشجرة، فالشتلة، تمثل شركة حصر التبغ والتنباك (الريجي)، نموذجاً عن المؤسسة العامة التي تمتلك الإرادة والرؤية، وتشكّل النقيض العملي للسردية القائلة بأنّ مؤسسات الدولة تستودع في ذاتها بذور فشلها.

في الجولة التي دعا إليها رئيس مجلس إدارة الشركة المهندس ناصيف سقلاوي، لتفقّد أقسام الريجي وآلاتها الحديثة وطرائق تحضير التبغ وإعداده وتنويع نكهاته قبل أن يتحول إلى سجائر، تبين للصحافيين والإعلاميين أهمية أن تتحول المرافق العامة ذات الوجهة الإنتاجية مصدر استقطاب لليد العاملة، وأن تلج الأسواق من الباب العريض، وأن تجتذب فئات اجتماعية معينة، وأن توفّر التدريب المهني الكفيل بتنمية مهارات العاملين في مجال التبغ والتنباك. فالريجي ليست عالة على الخزينة، بل إنّها رفدت مالية الدولة بأربعمئة مليون ومئتي الف دولار في العام 2024، والمتوقع أن يرتفع المبلغ إلى 500 مليون دولار هذه السنة. ويعمل في الشركة 1000 موظف في المجالات الإدارية والإنتاجية، منهم مهندسون وخبراء تقنيون فضلاً عن إختصاصيين في التسويق. وتنتج الشركة كل أنواع السجائر المعروفة عالمياً عدا الأنواع المحلية الرائجة في الأسواق، ولها ما بين 700 و 750 مورد بيع في الداخل، إضافة إلى أنّ مجموع المستفيدين من المزارعين في الجنوب والبقاع وعكار يبلغ 25 الف مواطن، تشكّل لهم عائدات زراعة التبغ مورداً أساسياً لعيش كريم. وإنّ هذه الزراعة التي تدعمها الشركة تصيب فوائدها تجار المواد والأدوية الزراعية من بذور وأسمدة.

 

في اختصار، فإنّ لشركة «الريجي» دوراً يتجاوز أحياناً حدود ما يصفها به القانون، لتتحول عنصراً فاعلاً في عملية التنمية المستدامة، لأنّها تدعم برامج تنموية وتوعوية عبر البلديات والهيئات المحلية. وللتذكير أو لتصحيح انطباع رسخ في أذهان الناس، إنّ شتلة التبغ لا لون طائفياً لها. فزراعتها ليست حكراً على مذهب من دون آخر. فعلى سبيل المثال، إنّ بلدة رميش الحدودية المارونية تشتهر بأنّها اكبر البلدات اللبنانية الجنوبية التي تزرع التبغ، ويشكّل إنتاجها مصدراً رئيساً لدخل أبنائها.

 

يُستنتج من كل ما تقدّم، أن ليس بالضرورة أن تكون كل مؤسسة عامة تابعة للدولة مشروعاً فاشلاً وعالة على الخزينة، ويمكن لبعض القطاعات فيها أن تحذو حذو «الريجي»، وأن تستقطب الكفايات والمهارات من فئة الشباب، لتصبح طاقة إنتاجية ذات مردود تعود على خزانة الدولة، التي تقتات في معظمها من ضرائب ورسوم لم يعد للمواطن القدرة على احتمالها، بمبالغ كبيرة تساهم في إعادة التوازن في الموازنة العامة، وتشرّع النوافذ على آفاق جديدة تعيد الاعتبار إلى الإدارة العامة والوظيفة الرسمية، وترسم الخطوط العريضة للدولة التي تنظر إلى الواقع بواقعية، وتفيد من الكبوات والإخفاقات لتنفخ روح الحياة في أوردة أجهزتها ومصالحها. وذلك ضروري لمواجهة الأصوات التي تنادي ببيع أصول الدولة وذهبها، أي الترويج لتعريتها من أي عنصر حماية وسلبها سيادتها الفعلية، أو الخصخصة الملتبسة التي لا تصيب خزانة الدولة الّا النزر اليسير.

 

إنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هو في طليعة المسؤولين حماية لسيادة الدولة على مرافقها العامة، لأنّها ملك للشعب، ويرفض التفريط بها. وبالتالي، فإنّ ثمة ما يدعو إلى الالتفات إلى قطاعات أخرى، يجب توفير الإمكانات لها لكي تنطلق، لتكون مصدر تعزيز لخزانة الدولة، سواء بتحقيق الأرباح المادية المباشرة، أو خفض النفقات مثل قطاعي الكهرباء والمياه والنقل. ويطول التعداد ليشمل قطاع الصناعة وتوفير الدعم والحماية له. وإنّ الكلمة التي ألقاها المهندس سقلاوي والمعلومات التي قدّمها المسؤولون الكبار في «الريجي» للصحافيين خلال جولتهم على أقسامها، تؤكّد أنّ الكلام عن اليأس من الدولة ومؤسساتها، وعدم القدرة على ثباتها ومجاراة متطلبات التطور والحداثة، ليس في محله إذا توافرت الإرادة الوطنية والقرار الرسمي الشجاع، ويجب أن يتوافرا إذا كان الهدف حقاً بناء دولة المؤسسات.

theme::common.loader_icon