يحمل عنوان فيلم كيلي رايشارت الجديد نكهة من السخرية الواضحة بالنسبة إلى اللّص المتعثر الذي يؤدّي دوره جوش أوكونور.
بعد وقت قصير من بداية فيلم كيلي رايشارت The Mastermind، يسرق لصّان غبيّان على نحوٍ كوميدي، متحفاً صغيراً في ماساتشوستس. تبدو هذه السرقة فوضَوية للغاية ومحدودة الأهمية، إلى درجة يصعب معها وصفها بعملية «سطو».
ففي الأفلام عادة، تستحضر كلمة «سطو» صورة رجال أنيقين يسلبون محتويات الخزائن بمهارة قبل أن ينزلقوا إلى سياراتهم الرياضية. أمّا هنا، فيتلعثم اللصان ويتشاجران، وأرجل الجوارب النسائية المشدودة على رأسيهما ترفرف وهما يتخبّطان. وعلى رغم من فشلهما المتكرّر، ينجحان في النهاية بإتمام العملية، لكنّ أحدهما يكاد يعلق داخل المتحف قبل أن يتمكّنا أخيراً من الفرار بسيارة عائلية قديمة.
إنّه عام 1970، والرجل الذي خطّط للسرقة، جيمس بلاين موني المعروف باسم JB، يمرّ بمرحلة صعبة، معظمها من صنع يدَيه. يؤدّي الدور الممثل البريطاني جوش أوكونور، الذي بات وجهاً مألوفاً في كل مكان، وJB لا يبدو كرئيس عصابة معتاد على الأقل على الشاشة. جسده نحيل، لحيَته غير مكتملة، وملامحه متراخية. يرتدي ثياباً يبدو كأنّ غيره اشتراها له، ويعيش في منزل متواضع جداً مع زوجته تيري (ألانا هايم) وولدَيه اللذَين بالكاد يلاحظ وجودهما.
في كثير من الأحيان يبدو JB كطفل آخر، سواء أثناء تناوله العشاء في منزل والديه (بيل كامب وهوب ديفيس)، أو أثناء كذبه على والدته لتبرير حاجته إلى المال.
صحيح أنّ JB هو مَن خطّط لعملية المتحف، لكنّ عنوان الفيلم سرعان ما يكتسب طابعاً ساخراً مميّزاً؛ فالرجل بالكاد يبدو «مدبّراً» لأي شيء، وخصوصاً نفسه. يظهر ذلك في طريقة ترتيبه للعملية، في تنفيذها الهزلي الهاوي، وفي ما يتبعها من فوضى معقّدة تشكّل معظم القصة. ففي أفلام السطو الكلاسيكية، ينصبّ التركيز على كل ما يتطلّبه إنجاز العملية: الأهداف، اللوجستيات، الشركاء الموثوقون، وأولئك الذين يجب الحذر منهم. أمّا هنا، فالسرقة ليست سوى بداية لنظرة هادئة ساخرة وحادّة في آنٍ إلى شخصية، بل إلى عالمٍ أوسع، مهووس بالأنانية النرجسية.
تضمّ فيلوغرافيا رايشارت أفلاماً مستقلة منخفضة الميزانية تحظى بمحبة النقّاد أكثر ممّا تحظى بجماهير واسعة في صالات السينما. مصطلح «مستقل» قد يكون فضفاضاً، إذ يُستخدم لوصف أي عمل يبدو غريب الأطوار أو ليس صادراً عن استوديو كبير. لكنّ الاستقلال لا يتعلّق فقط بمصدر التمويل، بل أيضاً بالفكر والروح. وبما يتعلّق بالموضوع والحجم، تتوافق أفلام رايشارت مع هذه الأفكار الغامضة عن الاستقلالية، لكن ما يُميّزها حقاً هو الحِس الأخلاقي الذي يوجّه واقعية رؤيتها السينمائية. أفلامها تسير على إيقاعها الخاص.
أعمال رايشارت حميمة، متحفّظة، ولا تنحرف عن تقاليد السرد السينمائي. لا تفرض أفكارها بصرياً أو بخطبٍ مباشرة، بل تتركها تتسرّب ببطء حتى تتغلغل في القصة. «العقل المدبّر» يروي قصة رجل يمرّ بأزمة، أبرزها جريمة سرعان ما تقلب حياة تبدو عادية، بل رتيبة. من الظاهر أنّ حياته، لو استمرّت على هذا المنوال، كانت ستنتهي بخيبة متوقعة (طلاق، ملل، كحول...). ليس واضحاً فوراً لماذا سرق JB المتحف، سالباً مجموعة من لوحات آرثر دوف، أحد رواد التجريد الأميركي، ويصعب ألّا يتساءل المرء إن كان فعل ذلك بدافع الملل لا أكثر.
يعيش JB في العالم حتى لو لم يُعِره اهتماماً كبيراً. في مشهد مبكر، نراه ممدّداً على الأرض يلعب الداما مع أحد أبنائه، بينما الآخر يلهو بطائرة ورقية من ورق. يبدو JB كطفل آخر بينهم، ويزداد هذا الانطباع عندما تظهر صورة والده ممدّداً على الأريكة يشاهد الأخبار في التلفزيون.
وبينما تتنقل رايشارت بين الشخصيات، تُسمع أصوات المذيعين تتحدّث عن محاكمات واحتجاجات طلابية ضدّ الحرب. يقول صوت مفعم بالعاطفة: «هناك مشاعر هائلة من العجز، والتشاؤم، واللامبالاة لدى أعداد كبيرة من الناس»، بينما تثبّت رايشارت الكاميرا على لقطة قريبة لـJB قبل أن يُستدعى إلى العشاء.
عندما تُذاع أنباء سرقة المتحف، يجد JB نفسه سريعاً بين فكَّي كماشة من قوى متعارضة، وسرعان ما تتدهور أوضاعه. يصل شرطيان إلى منزله بعد أن وشى به أحد شركائه، ثم يظهر رجال عصابة في سيارة، ليضاعفوا الخطر والفوضى (بطابع فكاهي أيضاً). وبينما يحاول JB القلق التعامل مع هذه التعقيدات، تتصدّع حياته الأسرية.
لا تتكلّم تيري كثيراً منذ البداية، لكنّ كلماتها القليلة ونظراتها المتهرّبة تقول الكثير. في البداية، يُخيِّب الصمت أمل المشاهد، لأنّ هايم تتمتع بحضور واقعي ومتفرّد. غير أنّ الأمر يتضح لاحقاً: تيري ليست فقط شخصية ثانوية في الفيلم، بل في حياة JB نفسه.
يُعدّ جوش أوكونور أحد أكثر الممثلين الشباب إثارة في السنوات الأخيرة، بفضل اتساع وتعقيد تعبيراته التي تكشف طبقات جديدة في كل أداء. يستطيع أن يكون ساحراً بسهولة وجذّاباً بامتياز، كما يمكنه أن يتحوّل فجأةً إلى بارد وقاسٍ. لا يجد صعوبة في أداء أدوار الأوغاد، لكنّه يعرف أيضاً كيف يجعل الوقاحة جذابة. تكمن صعوبة شخصية JB في أنّه ليس محبوباً ولا مكروهاً بوضوح، ما يجعل فهمه صعباً. تماماً كالفيلم نفسه، تتكشف الشخصية تدريجاً لتترك أثراً هادئاً وعميقاً.