الأزمة السياسية في فرنسا: هل انتهت صلاحية الجمهورية الخامسة؟
الأزمة السياسية في فرنسا: هل انتهت صلاحية الجمهورية الخامسة؟
جمال بُدومة
Monday, 20-Oct-2025 06:28

يومان بعد استقالة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، بسبب انفراط تحالفه مع اليمين التقليدي، أعاد الرئيس إيمانويل ماكرون تعيينه في المنصب، ودعاه لتشكيل حكومة جديدة بمهمّة واحدة: وضع موازنة للبلاد قبل نهاية العام.

استطاع لوكورنو جمع 34 وزيراً من المعسكر الرئاسي ومن اليمين والوسط، مع شخصيات من المجتمع المدني ومن كبار موظفي الدولة، وكوّن حكومة جديدة-قديمة، احتفظ فيها عدد من الوزراء بحقائبهم، مثل جيرالد دارمانان في العدل، جان-لوي بارو في الخارجية، ورشيدة داتي في الثقافة...


لكنّ لوكورنو يدرك جيداً أنّ تشكيلته على قدر بالغ من الهشاشة، وأنّ معظم الكتل السياسية، يميناً ويساراً، تترصدّها في المنعطف، وتضمر لها شرّاً.
عددياً، لا يُمكن حجب الثقة عن الحكومة من دون أصوات النواب الاشتراكيِّين، لذلك راهن رئيس الوزراء على «حزب الوردة»، واستجاب لمطلبَين أساسيَّين من مطالبه: تعليق إصلاح نظام التقاعد، والتخلّي عن استخدام الفصل 49.3 من الدستور، الذي يُعطي للحكومة حق تمرير القوانين من دون تصويت.


بفضل هذه التنازلات نجت حكومة سيباستيان لوكورنو، الخميس الماضي، من مذكّرتَيْ حجب الثقة، التي وضعهما حزبا «فرنسا الأبية» و«التجمّع الوطني»، بعدما امتنع النواب الاشتراكيّون عن دعم إسقاط الحكومة.


صفعة لماكرون
في العام 2023، أقرّ البرلمان الفرنسي رفع سنّ التقاعد من 62 إلى 64 سنة من دون تصويت، إذ لجأت رئيسة الوزراء وقتها، إليزابيث بورن، إلى استخدام الفصل 49.3 من الدستور. خلّف القرار غضباً شعبياً واسعاً، ممّا جعل الحكومة تواجه تظاهرات جرّارة لأسابيع عدة، بحشد من المعارضة اليسارية والنقابات العمالية، في مسعى لإسقاط القانون، لكنّ الرئيس الفرنسي رفض الانصياع لضغط الشارع، وتشبّث بالإصلاح الذي يعتبره أحد أهم إنجازات ولايته الثانية.
لهذه الأسباب يُشكّل تعليق إصلاح نظام التقاعد صفعة لماكرون، وإقراراً بالمأزق السياسي الذي دخل فيه ساكن قصر الإليزيه، كما أنّ التراجع عن الإصلاح سيُكلّف خزينة الدولة 400 مليون يورو عام 2026 و1,8 مليار يورو بحلول عام 2027!
منذ بدء ولايته الرئاسية الثانية في أيار 2022، عيّن ماكرون 4 رؤساء حكومة، سقط 3 منهم في أقل من عام. المشكلة بدأت في 9 حزيران 2024، حين لجأ رئيس الجمهورية إلى حلّ البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، بُعَيد الإعلان عن هزيمة حركته السياسية (الجمهورية إلى الأمام) في الانتخابات الأوروبية.
وقد أسفر الاقتراع السابق لأوانه عن برلمان من دون أغلبية. النتائج جاءت متقاربة بين كُتَل اليسار وأقصى اليمين والوسط، مع تفوّق طفيف لتحالف اليسار المنضَوي تحت لواء «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكّلت من «فرنسا الأبية»، «الحزب الاشتراكي»، «الخضر»، و«الشيوعي».
وعلى رغم من أنّ العُرف الديمقراطي يقتضي تعيين رئيس الحكومة من القوّة السياسية التي تصدّرت الاستحقاق التشريعي، فإنّ الدستور يُعطي للرئيس حقّ تعيين مَن يشاء في المنصب. هكذا استفاد ماكرون من صلاحياته الرئاسية المفرطة، وعيّن حكومة من معسكره، ضارباً عرض الحائط بالعرف الديمقراطي، ممّا خلّف احتقاناً شديداً في المشهد السياسي.
في المرّة الأولى، اختار رئيس وزراء من اليمين الجمهوري، ميشال بارنييه، وهو سياسي مخضرم، اشتهر خصوصاً بإدارة المفاوضات حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كان ماكرون يعوّل على خبرته في التفاوض للتوصّل إلى تفاهمات مع مختلف الكتل السياسية ليؤمّن أغلبية لحكومته. لكنّ بارنييه لم يصمد أكثر من 4 أشهر، فأسقطته المعارضة في 4 كانون الأول 2024 بحجب الثقة عن حكومته.
وفي الوقت الذي كان الجميع يتوقّع أن يستخلص ماكرون العبرة من مصير بارنييه، ويمنح رئاسة الحكومة لليسار، فاجأ الجميع، مرّةً أخرى، وسلّم المفاتيح لحليفه التاريخي فرانسوا بايرو، زعيم حزب «الحركة الديمقراطية»، مراهناً على خبرته الطويلة لإنجاز توافقات تُمكّنه من تشكيل حكومة مستقرّة.


مهمّة مستحيلة
في 9 أيلول المنصرم، رفض النواب تجديد الثقة في حكومة بايرو، الذي فشل في إقناع الفرقاء السياسيِّين بالمصادقة على ميزانية تقشفية لتقليص الدَين الخارجي، واضطرّ إلى الإنسحاب.
للمرّة الثالثة، سيمارس ماكرون صلاحياته ضدّ العُرف الديمقراطي، ويُعيّن رئيس وزراء من معسكره، يتعلّق الأمر بوزير الجيوش سيباستيان لوكورنو. لوكورنو شكّل أقصر الحكومات عمراً في تاريخ فرنسا، إذ لم تُعمِّر أكثر من 14 ساعة، بعد خلافات حول تشكيلتها مع حليفه اليميني، وزير الداخلية السابق برونو روتايو، الذي يرأس حزب «الجمهوريِّين».
ما أشبه اليوم بالبارحة. عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه فرنسا، يذكّر بنهاية «الجمهورية الرابعة» (1946-1958). بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّلت رابع جمهورية في تاريخ فرنسا، وأخذت على عاتقها إعمار ما دمّرته الحرب وفكّ الارتباط مع المستعمرات وبناء الوحدة الأوروبية، وهي نظام برلماني يتميّز بهَيمنة السلطة التشريعية على نظيرتها التنفيذية.
كان البرلمان يُعيّن الحكومة ويُطيح بها متى شاء، وكانت للنواب سلطة انتخاب الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس البرلمان. الصلاحيات المفرطة للنواب أدخلت المؤسسات في مرحلة من عدم الاستقرار، جعلت 20 حكومة تتعاقب على السلطة في أقل من 12 سنة. وعندما تمرّد قادة في الجيش عام 1958 في إطار ما يُسمّى بـ«الأزمة الجزائرية»، رجع الجنرال شارل ديغول إلى السلطة، ووضع حداً لعدم الاستقرار السياسي عن طريق تأسيس «الجمهورية الخامسة»، التي منحت للرئيس صلاحيات واسعة.
بخلاف الرابعة، الجمهورية الخامسة نظام رئاسي، يعتمد الاقتراع المباشر في اختيار رئيس البلاد، تليه انتخابات نيابية، يعقبها تشكيل حكومة من الأغلبية الفائزة. نظام سياسي فُصِّل على مقاس الجنرال ديغول. وقد نجحت الوصفة في إعادة الاستقرار إلى المؤسسات، لأنّ صناديق الاقتراع ظلّت تمنح لمعسكر الرئيس أغلبية في الانتخابات التشريعية، ممّا يُسَهِّل تشكيل حكومات منسجمة، متماسكة، وقوية.
كان ديغول أول رئيس يُنتخَب بالاقتراع المباشر عام 1958، وحين استقال في نيسان 1969، جرت انتخابات رئاسية مبكرة أسفرت عن وصول جورج بومبيدو إلى قصر الإليزيه، لكنّ صحّته خذلته ليرحل عام 1974 من دون إكمال عهده الرئاسي، ممّا فرض تنظيم انتخابات مبكرة، حملت الوسَطي فاليري جيسكار ديستان إلى الحُكم. وفي 1981 فاز فرانسوا ميتران بالانتخابات، وبعد عهدَين خلَفَه جاك شيراك عام 1995 ثم نيكولا ساركوزي عام 2007، فرانسوا هولند عام 2012، فإيمانويل ماكرون ابتداءً من 2017...
وظلّت الحكومات تتشكّل بسلاسة، وتجد أغلبية مريحة داخل البرلمان، إلى أن قرّر ماكرون حلّ الجمعية الوطنية في 9 حزيران 2024، ودخلت البلاد في أزمة سياسية لم تعرفها الجمهورية الخامسة، التي تستمدّ شرعيّتها من استقرار المؤسسات. ويتوقع بعض المحلّلين أن تُصبح الأغلبية الهشة قاعدة في البرلمان الفرنسي خلال السنوات المقبلة، إذ سيجد الرئيس نفسه عاجزاً عن توفير أغلبية مستقرّة، منضبطة ومنسجمة لتنفيذ سياساته. فهل استنفدت جمهورية شارل ديغول وظيفتها، ولم يَعُد هناك مفرّ من الانتقال إلى «الجمهورية السادسة»؟

theme::common.loader_icon