لم يمضِ على حديث المدرب الألماني يورغن كلوب سوى أقل من دقيقتَين حين أعلن، بوضوح مفعم بالبهجة، أنّه لا يفتقد «أي شيء» من حياته السابقة كمدرب.
غادر كلوب ليفربول في صيف 2024، منهياً فترة حُكم استمرّت 9 أعوام، وضع خلالها بصمته ليس فقط على ملعب «أنفيلد»، بل على كرة القدم الإنكليزية كلّها، محقّقاً أول لقب دوري لليفربول منذ 3 عقود، رفع كأس دوري الأبطال، وعرّف البلاد على ما بات يُعرَف بـ»كرة القدم الثقيلة» التي اشتهر بها.
فهل كان، حين بدأ الموسم الماضي من دون عمل، وخَلَفه أرنيه سلوت في ليفربول، جالساً ينتظر أمام التلفاز مباريات عطلة نهاية الأسبوع؟ يُجيب بلهجة متقطّعة ليؤكّد فكرته: «على الإطلاق لم أفعل. كنتُ سعيداً للغاية بطريقة لعب ليفربول. شاهدتُ بعض المباريات. لكن لم يكن الأمر على طريقة: أوه، إنه يوم السبت! لم أكن أعرف حتى متى تبدأ المباريات. كنتُ ببساطة خارج اللعبة. مارستُ الرياضة. استمتعنا بالحياة، قضَينا وقتاً مع الأحفاد، أشياء طبيعية تماماً، وأنا أعلم أنّني سأعمل من جديد. لكنّني كنتُ أعلم أيضاً أنّني لا أريد أن أعمل كمدرب بعد الآن».
أبداً؟ يهزّ رأسه قائلاً: «هذا ما أعتقده. لكنّك لا تعرف. عمري 58. إذا عدتُ في الـ65، سيقول الجميع: لقد قلتَ إنك لن تعود أبداً! آسف، كنتُ متأكّداً بنسبة 100% حين قلتها! هذا ما أعتقده الآن. لا أفتقد شيئاً».
عاد كلوب إلى كرة القدم، لكنّ عمله الجديد مختلف تماماً عن ضغوط التدريب في الخطوط الأمامية لأحد أكبر أندية العالم. ففي كانون الثاني بدأ عمله كـ»رئيس عالمي لكرة القدم» في مجموعة «ريد بول»، مشرفاً على فلسفة اللعب، تطوير التدريب، واستراتيجية الانتقالات.
المجموعة العملاقة لمشروبات الطاقة منخرطة بعمق مع لايبزيغ الألماني، سالزبورغ النمسوي، باريس إف سي الفرنسي، نيويورك ريد بولز الأميركي، ريد بول براجانتينو البرازيلي، وأوميا أرديجا في الدرجة الثانية اليابانية. كما تلعب دوراً محدوداً مع ليدز يونايتد الإنكليزي، كمساهم أقلية وراعٍ على صدر القميص.
بعد 16 شهراً بعيداً من «حوض السمك الذهبي» في الدوري الإنكليزي، يبدو أنّ كلوب استعاد طاقته. مظهره أصغر وأكثر رشاقة. ابتسامته العريضة ما زالت حاضرة، خصوصاً حين يسخر من مشاكل مانشستر يونايتد، ولا يزال يؤدّي كامل ترسانته من تعابير الوجه المميّزة التي تكشف بدقة ما يُفكّر فيه: «إذا نظرتَ إلى مسيرتي، ستجد أنّ هناك مسيرات أكثر نجاحاً من مسيرتي. لكنّني حصلتُ على كل شيء. خسرت نهائيات دوري أبطال أكثر ممّا يلعب معظم الناس. أعلم كيف أخسر وكيف تستمر الحياة. لا أحتاج أن أحتفظ بتجاربي لنفسي. لم أفعل ذلك قط، لكن لم يكن لديّ وقت للحديث مع الناس عنها، لأنّ المباراة التالية كانت دائماً قادمة. الآن إذا سألني أحدهم شيئاً، فأنا أكثر كتاب مفتوح أعرفه».
كأس عالم من 64 منتخباً، يا يورغن؟ يمكنك أن تتخيّل تنهيدته: «سمعتُ عن الأمر، لم أرد حتى أن أبدأ التفكير فيه. بصراحة، رأيته فقط وفكّرتُ: أوه لا، لن أخوض فيه».
لكنّه مستعد للخوض في الكثير من الأمور الأخرى، بدءاً من الانتقادات التي تلقّاها حين انضمّ إلى ريد بول. فالمجموعة مثيرة للجدل في ألمانيا، إذ يلتزم لايبزيغ قانونياً، لكن بشكل مثير للجدل، بقاعدة «50+1» التي تشترط أن يحتفظ الأعضاء بنسبة 50% + 1% من حقوق التصويت في أي نادٍ.
غالباً ما كان لايبزيغ هدفاً لاحتجاجات جماهير الأندية المنافسة، الذين يرَون في نموذج ريد بول مجرّد أداة تسويقية لشركة مشروبات غازية، وتحدّياً لروح كرة القدم الألمانية. بالنسبة إلى البعض، بدا الأمر تحوّلاً صارخاً لكلوب الذي عُرف طوال مسيرته في ماينز، بوروسيا دورتموند وليفربول كأحد «رومانسيّي» اللعبة وحامٍ لتقاليدها.
حتى بين جماهيره السابقة، واجه ردود فعل غاضبة. فعقب تأكيد انتقاله إلى ريد بول، لعب لايبزيغ ضدّ ماينز، ورفعت جماهير الأخير لافتة كُتِبَ عليها: «هل نسيتَ كل ما جعلك تُصبح ما أنتَ عليه؟».
كيف شعر حيال هذه الردود؟ يجيب: «كنتُ أعلم أنّها ستأتي. أنا ألماني. أعلم تماماً ما يُفكّر به الناس في ألمانيا عن تورّط ريد بول بكرة القدم. إنّهم يُحبّون ريد بول في كل المجالات. لكن في كرة القدم؟ لا. حسناً، إذا أرادوا أن يتعاملوا مع الأمر بهذه الطريقة، فليكن. المثير أنّ هذا لم يَحدث إلّا في ألمانيا. لكن لا مشكلة. كل شخص حُرّ في التفكير كما يُريد. وعليهم أن يقبلوا أنّني أفعل ما أريد ما دمتُ لا أؤذي أحداً... بالمناسبة، في ليفربول الناس سعداء للغاية لأنّني أفعل ما أفعله، ولستُ مدرباً لفريق آخر. لو ذهبتُ إلى بايرن ميونيخ مثلاً، فبالتأكيد جماهير دورتموند كانوا سيقولون: لا يعجبنا ذلك! أنهيتُ مسيرتي مع ليفربول وأنا في الـ57. كنتُ واثقاً بنسبة 100% أنّني لن أنهي عملي كلياً. أخذت استراحة لمدة 7 أشهر تقريباً. استمتعت بها».
ويتابع كلوب أنّه قال لحبيبته «أولا»، التي أصبحت زوجته الآن، عام 2001، إنّه سيخوض «25 عاماً بأقصى سرعة من دون النظر يميناً ويساراً كمدرب لكرة القدم». وإذا لم تنجح؟ «قالت أولاً يمكنني أن أعمل سائق تاكسي. خلال 25 عاماً تقريباً، حضرتُ حفلتَي زفاف فقط: أحدهما زفافي، والآخر قبل شهرَين. خلال 25 عاماً ذهبت إلى السينما 4 مرّات فقط، كلها في الأسابيع الـ8 الأخيرة. كنتُ في بلدان عدة كمدرب ولم أرَ منها شيئاً؛ فقط الفندق والملعب أو مركز التدريب. لم أفتقد ذلك آنذاك، لكنّني سأفتقده الآن».
يُقدّر كلوب حرّيته ومرونته الجديدة: «لديّ الخيار. أستطيع الذهاب في عطلة. وأنا مَن يُقرّر متى. حسناً، أولاً هي مَن تُقرّر متى»، يضحك.