هل صحيح أنّ الكُلّ يكذب؟!
هل صحيح أنّ الكُلّ يكذب؟!
محمود القيسي
Saturday, 27-Sep-2025 06:27

تقول أسطورة القرن التاسع عشر، إنّ الحقيقة والكذب التقَيا يوماً، فقال الكذب للحقيقة: إنّه ليومٌ جميلٌ حقاً. نظرَت الحقيقة حَولها فى ريبة، رفعت عينَيها
إلى السماء، لترى أنّ اليوم بالفعل كان يوماً جميلاً، فقضت وقتاً طويلاً بصحبة الكذب فى ذاك اليوم. (جبران خليل جبران)

يحكي الفيلسوف نيتشه عن أحد الكاذبين: «لستُ منزعجاً لأنّكَ كذبتَ عليّ، لكنّني منزعج لأنّني لن أصدّقكَ بعد هذه المرّة»... كيف يمكن للبيانات الرقمية الكبيرة أن تكشف عن الحقيقة الخفية وراء سلوكيات البشر، التي غالباً ما تُخفى في الحياة اليومية أو تُشوَّه بالكذب الاجتماعي التقليدي.
يجادل مؤلّف كتاب «الكل يكذب» عالم البيانات الأميركي سيث ستيفنز دافيدوتس، بأنّ الإنترنت ومحرّكات البحث، مثل Google، ووسائل التواصل الاجتماعي، تمنح الباحثين نافذة غير مسبوقة لفهم اهتمامات البشر، مخاوفهم، رغباتهم، وتحريفاتهم الاجتماعية.
ويكشف الكتاب كيف يمكن للبيانات الكبيرة أن تُصحِّح التصوّرات الخاطئة حول ما يُريده الناس فعلاً، سواء في السياسة، الإقتصاد، الصحة العامة، أو السلوكيات الاجتماعية، مُظهِراً أنّ ما يُخفى عن الدراسات التقليدية يمكن الوصول إليه بدقّة وصدق من خلال تحليل الإنترنت.
كما يُناقِش المؤلّف من خلال محاور رئيسية كيف تكشف بيانات البحث على الإنترنت سلوكيات وأفكار البشر الحقيقية التي لا يبوحون بها علناً، مثل ميولهم الجنسية أو آرائهم السياسية. على سبيل المثال، تحليل عمليات البحث المتعلقة بالإنتخابات الأميركية عام 2016 أظهر اتجاهات عنصرية لم تظهر في الاستبيانات التقليدية، ما يعكس صدق البيانات الرقمية في كشف ما يُخفى في الحياة اليومية.

البيانات الكبيرة كمرآة للواقع الاجتماعي
يوضّح الكتاب كيف يمكن لسلوكيات التصفّح وعمليات البحث أن تُظهر انتشار التحيّزات أو الاهتمامات الثقافية، أحياناً بشكل يتناقض مع البيانات الرسمية. مثال على ذلك، ارتفاع عمليات البحث عن الاكتئاب في بلدان معيّنة يُبرز مناطق القلق النفسي التي قد تغفلها الإحصاءات التقليدية.
لا تكذب أبداً على شخص يثق بكَ، يقول شكسبير. ولا تثِق أبداً في شخص يكذب عليك... يُظهر المؤلّف أنّ تحليلات البيانات الرقمية تكشف التباينات بين ما يُصرِّح به الناس وما يفعلونه بالفعل، خصوصاً في المواضيع الحساسة مثل الجنس أو التمييز الاجتماعي. ويُبرز الكتاب في محور تأثير الكذب الاجتماعي، أنّ البشر غالباً يُقدِّمون صورة مثالية عن أنفسهم في الاستبيانات أو أمام الآخرين، ما يجعل البيانات التقليدية أقل دقة.
في المقابل، يكشف الإنترنت هذه الأقنعة، كما يظهر في مقارنة بيانات Facebook وغيره مع الواقع الفعلي للأفراد. فيناقش المؤلّف القيود المحتملة وتحدّيات استخدام البيانات الكبيرة، مثل الانحياز في البيانات وصعوبة تفسير النتائج، مع التأكيد على أنّ التحليل يجب أن يتمّ بعناية لتجنّب الاستنتاجات الخاطئة، مستخدماً مثالاً عن «الضوضاء» أو البيانات الخاطئة التي قد تشوّه النتائج.
ويُقدِّم الكتاب أمثلة لفهم سلوك الناخبين وتوقع نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى دراسة تأثير تجارب الطفولة على القرارات الاقتصادية لاحقاً، ما يوضّح كيف يمكن للبيانات تحسين السياسات العامة.
ويوضّح المؤلّف كيف تكشف البيانات الرقمية عن تحيّزات خفية، مثل العنصرية أو التمييز الجنسي أو الديني، التي غالباً ما تكون مخفية عن الدراسات التقليدية، كما أظهرت زيادة عمليات البحث العنصرية بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة.
يستخدم المؤلّف أمثلةً غير متوقعة، مثل كلمات البحث الأكثر شيوعاً، لإظهار أنّ البشر أكثر تعقيداً وغرابة ممّا تُظهره الإحصاءات الرسمية، مثل عمليات البحث عن الانتحار أو الرياضة.
ويختتم الكتاب بمناقشة كيف يمكن للبيانات الكبيرة أن تساعد في بناء فهم أعمق للمجتمع وتحسين الحياة اليومية، مع التأكيد على حماية الخصوصية والتوازن بين المعرفة والفردية، وتوضيح كيف ستُغيّر البيانات علوم الاجتماع إلى الأبد.

theme::common.loader_icon