في مدينة الأضداد، سباق باكو لم يكن عادياً. من اللحظة الأولى في التجارب التأهيلية، تَفجَّرت المفاجآت، ومعها تبدّل مسار موسمٍ كان يبدو محسوماً.
6 أعلام حمراء خلال التصفيات، حوادث متتالية للموناكي شارل لوكلير (فيراري) والأسترالي أوسكار بياستري (مكلارين)، وأمطار متقطّعة جعلت الحلبة مصيَدةً للأخطاء.
خطف الهولندي ماكس فيرستابن (ريد بول) المركز الأول بزمن 1:41.117، فيما فاجأ الإسباني كارلوس ساينز الجميع بخطف المركز الثاني في سيارة ويليامز، أمام الأسترالي ليام لوسون (ريد بول) صاحب المركز الثالث.
أمّا المتصدّر بياستري، فقد اصطدم خلال Q3 وبدأ من المركز التاسع، بينما وجد لوكلير نفسه خارج المنافسة عقب حادث آخر. هكذا، انطلق سباق الأحد محمّلاً بالأسئلة والاحتمالات.
ساينز وملحمة وحيد القرن
لم يصعد ساينز فقط إلى منصة التتويج مع ويليامز، بل كتب واحدة من أكثر القصص رومانسية هذا الموسم. سيارة ويليامز، التي لم تذق طعم المنصات منذ سباق عام 2017، وجدت نفسها في المركز الثالث خلف شعار صغير على خوذة ساينز: ملصق وحيد القرن.
كثيرون اعتبروه مجرّد تفصيل، لكنّه تحوّل إلى رمز للحظ، ولرحلة سائق يقاتل على رغم من كل الظروف. فطوال 51 لفة، حافظ الإسباني على هدوئه، اختار استراتيجيات ذكية للإطارات، ودافع ببسالة عن موقعه أمام منافسين أسرع على الورق.
Podium اعتُبر من قِبل النقاد «أفضل إنجاز في مسيرة ساينز»، وجرعة حياة لفريق ويليامز الذي استعاد أمجاده فجأة.
فيرستابن والعودة إلى المعركة
لم يترك فيرستابن مجالاً للشك. من لحظة الانطلاق حتى خط النهاية، لم يُهدَّد في أي لفة. فوز بفارق +14.6 ثانية عن أقرب منافسيه، وأسرع لفة في السباق، ليؤكّد أنّه ما زال في سباق اللقب على رغم من موسمٍ مليء بالتحدّيات. بالنسبة إليه، كان سباق باكو أكثر من مجرّد انتصار: كان إعلان عودة، وإشارة إلى أنّ البطل لا يسقط بسهولة.
راسل المقاتل على رغم من المرض
عانى البريطاني جورج راسل (مرسيدس) من وعكة صحية طوال عطلة نهاية الأسبوع، لكن ما قد يُطيح بغَيره لم يكن كافياً لإيقافه. قاد البريطاني سباقاً نظيفاً، واستفاد من أخطاء منافسيه، فتمكّن من إنهاء السباق في المركز الثاني.
Podium مثّل أكثر من مجرّد نقاط: كان صورة عن سائق يقاتل حتى وهو في أضعف حالاته، ويُثبِت أنّ الإرادة قد تتغلّب حتى على الجسد المرهَق.
فيراري في المجهول
على النقيض، غابت فيراري عن المشهد. اصطدم لوكلير خلال التصفيات وبدأ السباق من الخلف، فيما خرج هاميلتون من الـ Q2 بسبب قرار استراتيجي خاطئ في اختيار الإطارات.
في السباق، عجزت سيارات الحصان الجامح عن التقدّم إلى المراكز الأمامية، وخرج الفريق بلا نقاط تُذكر. الأداء باهت، القرارات مرتبكة، والجماهير من جديد أمام أسئلة بلا أجوبة: هل هو موسم آخر ضائع؟
والعبرة؟
لم يكن سباق باكو مجردّ محطة على روزنامة الفورمولا 1. بل كان اختباراً للصلابة، للمفاجآت، ولإعادة كتابة الطموحات. في مدينة تُشبه لعبة الشطرنج بشوارعها الضيّقة وحوافها القاسية، حُسِمَت معارك صغيرة، لكنّها قد تُقرّر الحرب الكبرى على اللقب. من ساينز الذي حوّل ملصق وحيد القرن إلى أسطورة، إلى فيرستابن الذي استعاد صَوته كبطل، فراسل الذي قاوَم المرض وصعد، في مقابل فيراري التي غرقت في المجهول... موسمٌ كان يترنّح، لكنّه استعاد نبضه فجأة. ومن الآن فصاعداً، لا أحد بأمان.