إسرائيل: عملاء إيرانيون جنّدوا العشرات من مواطنينا
إسرائيل: عملاء إيرانيون جنّدوا العشرات من مواطنينا
إيزابيل كيرشنر- نيويورك تايمز
Monday, 18-Aug-2025 07:21

أقنعَ العملاء أشخاصاً بارتكاب أعمال تخريبية، بل والتخطيط لعمليات اغتيال. هذه القضايا أثارت أسئلة حول الجشع والسذاجة والولاء.

بدأ الأمر في صيف العام الماضي برسالة غير متوقعة عبر تطبيق «تلغرام»، تضمّنت عرضاً لكسب بعض المال السهل. وقع فلاديسلاف فيكتورسون (31 عاماً)، وهو إسرائيلي يعيش في ضاحية شرق تل أبيب، في الفخ.

 

مهمّته الأولى، وفقاً لوثائق محكمة إسرائيلية، كانت تتعلّق برش شعارات مناهضة للحكومة في منطقته، من بينها واحد يقارن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بهتلر.

 

فيكتورسون وشريكته، أنيا برنشتاين، التي اتُّهمت أيضاً بتنفيذ مهام، جمعا سريعاً 600 دولار بينهما، بحسب ما أظهرت الوثائق. واتضح أنّ صاحب العمل لم يكن سوى عميل إيراني، بحسب الشرطة وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك». كان فيكتورسون وبرنشتاين، اللذان اعتُقلا في تشرين الأول 2024، جزءاً من مَوجة إسرائيليِّين استُدرجوا عبر الإنترنت للعمل لصالح إيران، وفقاً للسلطات الإسرائيلية.

 

المطالب التي جاءت عبر «تلغرام» تصاعدت بسرعة، من تخريب صناديق الكهرباء بحمض الكبريتيك، إلى إحراق سيارات، وصولاً إلى صنع قنبلة باستخدام علبة بخاخ للشعر ومفرقعات، وانتهاءً بالتخطيط لاغتيال أستاذ إسرائيلي مقابل 100 ألف دولار.

 

الآن يُحاكَم فيكتورسون وبرنشتاين (19 عاماً) بتهم الاتصال بعميل أجنبي، التخريب، الحرق العمد، وفي حالة فيكتورسون، التآمر الإرهابي للقتل.

 

يضيف المسعى الإيراني بُعداً جديداً إلى الحرب السرّية الدائرة منذ عقود بين إسرائيل وإيران، إذ تسعى إسرائيل إلى كبح الطموحات النووية لطهران، بينما تدعم إيران قوى بالوكالة على حدود إسرائيل.

 

تجنيد المواطنين الإسرائيليِّين يتضاءل مقارنة بالاختراقات المتقدّمة التي نفّذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في الدوائر العليا داخل إيران، كما ظهر في الهجمات الجوية ضدّ مواقع نووية وأمنية إيرانية، وأهداف من كبار العسكريِّين والعلماء في حزيران. إيران بدورها تحاول التسلّل إلى الدوائر الداخلية في إسرائيل، بحسب خبراء أمنيِّين.

 

لكنّ المسؤولين والخبراء الإسرائيليِّين يقولون إنّ عمليات التجنيد المنخفضة المستوى لمواطنين عاديِّين تمثل محاولة إيرانية لإثارة الفوضى الداخلية وتقويض المجتمع الإسرائيلي. وبنشر شبكة واسعة، كان يأمل المجنّدون الإيرانيّون أن يجدوا بعض المستعدّين للقتل، مع إثارة أسئلة مقلقة حول ولاء بعض المواطنين الإسرائيليِّين.

 

لم يردّ المسؤولون الإيرانيّون على طلبات التعليق. لكنّ بعض المسؤولين في طهران اتهموا أخّيراً إسرائيل بالوقوف وراء سلسلة من الحرائق والانفجارات الغامضة في إيران.

 

أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنّ «الشاباك» والشرطة اكتشفوا العام الماضي أكثر من 25 قضية تجنيد عبر الإنترنت، وأحبطوا عشرات أخرى في مراحل مبكرة.

 

وأضاف «الشاباك» في بيان: «الإيرانيّون يستثمرون أموالاً طائلة وموارد في جهد واسع لتجنيد إسرائيليِّين عبر الإنترنت لتنفيذ مهام».

 

وأطلقت الحكومة الإسرائيلية حملة توعية عامة تُحذِّر عبر إعلانات إذاعية ووسائل التواصل الاجتماعي من أنّ «المال السهل» قد يقود إلى «ثمن باهظ» يتمثل في سنوات طويلة خلف القضبان.

 

واعتبر شالوم بن حنان، المسؤول السابق في مكافحة التجسس بـ«الشاباك»، أنّ تصاعد المطالب على فيكتورسون يمثل «حرفة تجسس كلاسيكية»، تبدأ بـ «مبالغ صغيرة لمهام صغيرة».

 

وأضاف أنّ مع زيادة الأموال والمخاطر، تزداد الإغراءات والوهم الذاتي. «عادةً ما يقول لنفسه الشخص المجنّد: لقد فعلتها، لم تكن سيئة، لم تقتل أحداً»، وهو ما قد يدفعه إلى مخاطر أكبر.

 

أكثر من 40 إسرائيلياً اعتُقلوا خلال العام الماضي وُجّهت إليهم تُهَم أو يتوقع أن تُوجّه إليهم، بعضهم متهم بالتآمر مع عدو في زمن الحرب، وفقاً لمسؤولين إسرائيليِّين.

 

وقد صدر حُكم بالإدانة على واحد فقط: موتي ممان، رجل أعمال سبعيني معروف ببذخه وفشله التجاري، اعتُقل في أيلول 2024. وحُكم عليه في نيسان بالسجن 10 سنوات بعد أن هُرِّب مرّتَين إلى إيران في شاحنة، حيث ناقش اغتيال سياسي إسرائيلي مع مسؤولين استخباريِّين إيرانيِّين.

 

المشتبه فيهم يُمثلون شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي، بينهم يهود متديّنون وعلمانيّون، مهاجرون، مواطنون عرب، إسرائيلي مولود في إيران، جندي، ومستوطن من الضفة الغربية. ممان هو الأكبر سناً، أمّا الأصغر فهو طفل يبلغ 13 عاماً.

 

مراجعة أكثر من 12 لائحة اتهام أظهرت أنّ المبالغ المزعوم صرفها، ودُفعت بالعملات الرقمية، نادراً ما تجاوزت بضعة آلاف من الدولارات. معظم المشتبه فيهم اعتُقلوا خلال أسابيع من أول اتصال مع مشغليهم.

 

شملت المهام إشعال الحرائق، والعثور على أموال أو أسلحة أو متفجّرات مدفونة ونقلها إلى أماكن أخرى، وفقاً للائحة الاتهام. طُلب من المستهدفين شراء هواتف محمولة وكاميرات ومعدّات أخرى، وتحميل برامج تشفير للتواصل الآمن.

 

أحد المتهمين، وهو مهاجر من أذربيجان يعيش في جنوب إسرائيل، طُلب منه توثيق مساره قرب مواقع عسكرية حساسة، واستئجار شقة مطلة على ميناء حيفا. فيما طُلب من متهمين آخرين تثبيت كاميرات قرب منزل وزير الدفاع الإسرائيلي، لكنّهما تراجعا بعد رؤية سيارة دورية.

 

ويُتَهم اثنان من الشبان بالتخطيط للسفر إلى إيران للتدرّب على تنفيذ عملية اغتيال في إسرائيل.

 

في قاعة محكمة صغيرة في تل أبيب مؤخّراً، جلس فيكتورسون وبرنشتاين بزي السجن البني خلف زجاج، يفصل بينهما الحراس، بينما كان محقق في الشرطة يُدلي بشهادته، وهو واحد من عشرات شهود الادّعاء في القضية.

 

وجاء في لائحة اتهام الزوجَين أنّهما نفّذا مهاماً «مع علمهما أنّ العميل يعمل لصالح دولة عدوة أو منظمة إرهابية»، وأنّهما كانا على دراية بأنّ أفعالهما قد تضرّ بالأمن القومي.

 

وأوضح إيغال دوتان، محامي فيكتورسون، أنّه لا يعرف أي دليل يُثبت أنّ مشغل فيكتورسون كان إيرانياً أو من دولة عدوّة.

 

في هذه القضية، كما في غيرها، لم يُذكر صراحة اسم إيران أو التجسس أو تمرير معلومات لعدو في لائحة الاتهام، بينما ظلت مواد «الشاباك» سرّية. وأكّد دوتان أنّ فيكتورسون استُجوب من قبل «الشاباك» من دون السماح له بمقابلة محامٍ مسبقاً، ثم من قِبل الشرطة، ولم تُسجّل أو تُصوَّر التحقيقات، ما يعقّد دفاعه.

 

المحقّق لم يعترض على هذه الادّعاءات، لكنّه أصرّ على أنّ المشغّل كان إيرانياً، استناداً إلى مواد تسلّمها من «الشاباك». وأكّد «الشاباك» أنّ تحقيقاته جرت وفقاً للبروتوكول وتحت إشراف قضائي.

 

وأكّد ياروسلاف ماتز، محامي برنشتاين، أنّها كانت تعتقد أنّها تعمل لصالح نشطاء منخرطين في الحروب السياسية والثقافية داخل إسرائيل. التقت بفيكتورسون عندما كانت في الـ17 من عمرها. وأضاف: «إنّها فتاة ساذجة تأثرت» بفيكتورسون.

 

وبحسب لائحة الاتهام، رفض فيكتورسون عدة مهام، بينها تخريب صناديق الكهرباء، لأنّه خشيَ أن يُصاب جراء حمض الكبريتيك. وعندما أُرسل لتصوير متظاهرين ضدّ الحكومة في تل أبيب، أوقفه حاجز للشرطة، فحاول خداع مشغّله بصور التقطها من الإنترنت، بحسب الادّعاء.

 

أمّا برنشتاين فقد شجّعت فيكتورسون على إشعال سيارات، وفقاً للائحة الاتهام. وأضاف محاميها أنّها لم تكن متورّطة في مؤامرة قتل الأستاذ الجامعي. وزعم الادّعاء أنّ المشغل أخبر فيكتورسون بأنّ الأستاذ قد خانه، وأنّه لا يعمل مع الحكومة.

 

وعرض المشغّل تسديد ديون فيكتورسون إذا نفّذ اغتيال الأستاذ، أو هدف آخر مقابل 40 ألف دولار، وأبلغه أنّه سيلتقي الزوجَين في روسيا وينقلهما إلى بلد ثالث.

 

في ليلة 22 أيلول، أبلغ فيكتورسون مشغّله أنّه يستطيع شراء بندقية قنص بـ21 ألف دولار. فأخبره المشغّل أنّه سيتواصل معه بعد يومَين. وبعد ساعات، اعتُقل فيكتورسون وبرنشتاين.

theme::common.loader_icon