"الرهان على روسيا"
"الرهان على روسيا"
الدكتور غسان ملحم

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

 

Friday, 29-Dec-2023 08:44

مما لا شك فيه أن روسيا ليست مجرد قوة دولية عادية. هي قوة عظمى وقوة كبرى أيضًا، بحسب تصنيف وترتيب مجموعة القوى الدولية، بل هي قوة عالمية بكل معايير ومواصفات ومقاييس وموازين القوة المركبة والمعقدة في العلاقات الدولية. كما أن مسألة عودة روسيا مؤخرًا وراهنًا إلى الساحة العالمية ومسرح السياسة الدولية هي حقيقة علمية ثابتة في تاريخ ومسار تطور العلاقات الدولية. فما هي مبررات ومرتكزات ومحددات الدور الروسي؟ ولماذا الرهان على هذا الدور الروسي في العالم على وجه العموم وفي المنطقة على وجه الخصوص؟ وما هي خلفيات وأبعاد ومترتبات هذا الرهان على الدور الروسي حاضرًا ومستقبلًا؟ هي أسئلة مشروعة ومطروحة في هذا التوقيت وهذه اللحظة، وقد يكون من المفيد ومن الضروري محاولة الرد عليها على عجالة في هذه المقالة أدناه.

روسيا والفكرة المشرقية

 

إن الفكرة المشرقية ليست هي نفسها المسألة الشرقية على الإطلاق وبأية حال من الأحوال، منعًا لأي التباس أو تأويل أو إسقاط تاريخي في غير محله. فالرؤية المشرقية تحيلنا على حقيقةً وواقع الإنتماء الثقافي والحضاري للهوية المشرقية. وهي تحظى بمكانة خاصة في العقيدة أو الأيديولوجية والإستراتيجية الروسيتين. وهي ليس حكرًا على المسيحيين من طائفة الروم الأرثوذكس، وإن كانت الكنيسة الأرثوذكسية تحتضن هذه الهوية الثقافية والحضارية، مع التنويه بمكانة ودور الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ضمن إطار وفي سياق الحياة الوطنية الروسية. كما أنها لا تقتصر على المسيحيين دون المسلمين بطبيعة الحال.

 

وعليه، فإن الفكرة المشرقية هي عبارة عن منظومة قيمية ومفهومية جامعة ومتكاملة، تحظى بتأييد ودعم الدولة الروسية التي تقيم اعتبارًا ووزنًا لا لبس فيهما لهذه الهوية الثقافية والحضارية، بخلاف القوى الغربية الإستعمارية التي أساءت كثيرًا إلى الإتجاهات والخيارات والمبادرات والمشاريع السياسية والفكرية والثقافية والإقتصادية والتجارية التي تمثّل وتجسّد هذه الفكرة المشرقية، بل إنها أمعنت بالإساءة إليها مرات عديدة، في حين ترى فيها الحكومة الروسية، أو بالأحرى الدولة الروسية برمتها، امتدادًا ثقافيًّا وحضاريًّا لمجالها الحيوي، كما لأمنها القومي والإستراتيجي في مثل هذه المنطقة الجيوسياسية والجيواستراتيجية المتاخمة والمحاذية للمياه الدافئة التي تحتل موقعًا بارزًا ومتقدمًا في السياسة الخارجية الروسية والأمن القومي والإستراتيجي الروسي أيضًا.

 

روسيا وقضايا الشعوب العربية والإسلامية

 

إن المراجعة التاريخية تفيد بأن العلاقات العربية – الروسية كانت على الدوام أو على الأغلب أفضل من العلاقات العربية – الغربية، بصرف النظر عن المزاعم الباطلة والإدعاءات الزائفة أو المزيفة. فعلاقات موسكو مع العرب كافة على اختلاف التموضعات والإصطفافات السياسية والإستراتيجية كان جيدة غالبًا، بل أكثر من جيدة أحيانًا، كي لا نبالغ في التقدير والتقييم، أو نُتهَم بذلك، سواء كانت العلاقات مع محور الدول والبلدان والشعوب من جانب الثورية العربية والتقدمية العربية من جهة، أو كانت العلاقات مع محور الدول والبلدان والشعوب من جانب الرجعية العربية في المقابل من جهة أخرى. وعليه، يمكننا القول إن توجهات وعلاقات ومواقف الروس حيال العرب كانت منفتحة ومعتدلة ومتوازنة من زاوية الرصد والتوصيف العلميين والأكاديميين.

 

كذلك، فإن الملفات والقضايا والمصالح المشتركة والمتبادلة بين الجانبين الروسي والعربي في مجالات الطاقة والتوسع الإستثماري والتبادل التجاري والتعاون الجمركي والتنسيق الأمني تجعل العلاقات العربية – الروسية هي أكثر أهمية بالنسبة لكل من العرب والروس، وربما للعرب أكثر من الروس، وأكثر تأثيرًا في المجال الدولي وعلى الصعيدين العالمي والإقليمي. كما أن الموقف الروسي هو أكثر توازنًا وأكثر إنصافًا من المواقف الغربية عمومًا، الأمريكية والأوروبية خصوصًا، اتجاه الحقوق العربية المشتركة والقضايا العربية المشتركة، ولا سيما القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. عند هذا الموضع أو المقام بالتحديد، لا بد من التأكيد على أن التوجه العام للسياسة الروسية والسلوك الروسي يمكن البناء والرهان عليه من قبل العرب. والمقصود هنا الشعوب العربية أكثر منها الأنظمة الحاكمة العربية والحكومات العربية والحكام العرب بطبيعة الحال.

 

إن هذه الملاحظة المدونة أعلاه هي برسم الرأي العام العربي والإسلامي بصورة عامة والنخب المثقفة العربية والإسلامية بصورة خاصة، في مقابل المواقف الرسمية العربية والإسلامية، المخزية والمهينة والمسيئة بحق الشعوب والحقوق والقضايا العربية والإسلامية، والمترددة والمتخاذلة على خط العلاقات من قبل الدول والحكومات العربية مع موسكو. إن المطلوب هو الضغط والدفع باتجاه تفعيل وتعزيز التنسيق والتعاون بين العرب والروس على أكثر من صعيد وفي أكثر من ميدان، رسمي وغير رسمي، حكومي وشعبي، لملاقاة الروس والمبادرات الروسية أيضًا من قبل العرب بالمواقف والقرارات والخطوات العربية. إن الدور الروسي كوسيط نزيه، محتمل أو مفترض، في المفاوضات من أجل السلام العادل والشامل في المنطقة على وجه التعميم، ومنها المفاوضات لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي على وجه التخصيص، هو بالتأكيد أكثر معقولية ومقبولية بالمقارنة مع السياسات والسلوكيات والتصرفات الغربية، الأمريكية بالدرجة الأولى والأوروبية بالدرجة الثانية، في العالمين العربي والإسلامي. والحضور الروسي في المنطقة والإقليم هو بالتالي والتبعية عامل توازن واستقرار، يمكن ويجب الإستفادة منه.

 

روسيا وقضايا البلدان الأفريقية

 

تشهد العديد من البلدان الأفريقية في الآونة الأخيرة ظاهرة انكسار واندثار ما تبقى من الإستعمار القديم والحديث بعد تراجعه واضمحلاله، في إشارة إلى الإستعمار الغربي التقليدي، ولا سيما من قبل القارة العجوز بالتحديد، بما في ذلك الوجود العسكري والنفوذ السياسي والإستغلال الإقتصادي. وهو الأمر الذي يعيد راهنًا ولاحقًا طرح النقاش السياسي من جديد حول حق الشعوب الأفريقية في تقرير المصير، ببعديه الخارجي والداخلي، وكيفية استئناف واستكمال مسار التحرير والتحرر على طريق الإستقلال السياسي والإقتصادي، كما الجلاء العسكري الأجنبي، بمعنى انسحاب القوات العسكرية الأجنبية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتفكيك منظومة البنى والمؤسسات والقواعد، المتصدعة والمهترئة، للهيمنة من قبل الغرب والتبعية له في القارة السوداء.

 

في المقابل، تجد البلدان الأفريقية نفسها، ومعها الشعوب الأفريقية فيها، أمام خيارات وفرص ومسارات سياسية واستراتيجية واقتصادية، جديدة ومتجددة، وهي تبدو واعدة، من جانب القوى الصاعدة أو الناشئة، وفي طليعتها وفي مقدمتها كل من روسيا والصين، بل إنها خيارات وفرص ومسارات بديلة، يمكن البناء والرهان عليها، ساعدت وساهمت في تفكيك وتصفية بنى وأنساق الإستعمار الغربي، القديم والحديث، وتفتح الباب وتفسح المجال أمام سلوك درب الحداثة والتنمية في السياسة والمال والإقتصاد والطاقة والبنية التحتية، بحيث يبقى على القارة الأفريقية التي تطوق وتتطلع إلى الحرية والإستقلال والسيادة، المقارنة والمفاضلة بين التجارب الهدامة والبائدة في الغزو والإجتياح والإحتلال والإستعمار والإستغلال والإحتكار من جهة العالم الغربي، بجناحيه الأوروبي أولًا وسابقًا والأمريكي ثانيًا ولاحقًا، والمبادرات البناءة من العروض السخية والإستثمارات المغرية من جهة العالم الشرقي، وعلى رأسه كل من روسيا والصين، وربما سواهما من القوى الدولية والإقليمية.

 

روسيا وقضايا البلدان الأميركية اللاتينية

 

كانت أميركا اللاتينية بمثابة الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية طوال التاريخ الحديث والمعاصر، وهي ربما لا تزال كذلك حتى تاريخه. وهي تقع في المجال الطبيعي الثاني أو الحيز الجغرافي الثاني، وهو المجال أو الحيز الإقليمي أو القاري، بالنسبة للقوة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي، بعد المجال الطبيعي الأول أو الحيز الجغرافي الأول، أي النطاق الداخلي الأمريكي، الوطني والقومي، وقبل المجال الطبيعي الثالث أو الحيز الجغرافي الثالث، أي النطاق الخارجي التقليدي، القريب أو المتوسط المدى، ثم المجال الطبيعي الرابع أو الحيز الجغرافي الرابع، أي النطاق الخارجي الإستراتيجي، البعيد المدى بطبيعة الحال، وهو يحيلنا على ساحات وميادين الإشتباك الدولي والإقليمي، من النزاع أولًا إلى الصراع ثانيًا ثم المواجهة والصدام ثالثًا وأخيرًا، حول المصالح الأمريكية والمصالح غير الأمريكية، ومنها المصالح الروسية والمصالح غير الروسية أيضًا، في إشارة إلى المجال الطبيعي الرابع والأخير أو الحيز الجغرافي الرابع والأخير للقوة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي.

 

وعليه، هي لعنة التاريخ والجغرافيا التي تكمن في أساس هذه المعاناة الطويلة لشعوب وبلدان أميركا اللاتينية، أو لنقل أمريكا الجنوبية، على خطوط العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية في أميركا الشمالية. فهي كانت تعاني من براثن الإستعمار الأوروبي التقليدي أولًا، لتتخبط بعدها في غياهب الهيمنة من قبل الولايات المتحدة الأميركية والتبعية للولايات المتحدة الأميركية ثانيًا، أو لنقل الإستعمار الأميركي الحديث وغير التقليدي. من هنا، قد تجد شعوب وبلدان أميركا اللاتينية في روسيا شريكًا جديًّا وحقيقيًّا، وقد تكون الأخيرة كذلك، بحال أراد ذلك كلا الجانبين الروسي والأمريكي اللاتيني، عبر صوغ وعقد الشراكات الإستراتيجية، الثنائية والجماعية والمتعددة الأطراف، بلغة المصالح المشتركة والمصالح المتبادلة أيضًا، مع الأخذ بعين الإعتبار سلسلة من القضايا والمسائل والشؤون الدولية، العالمية أو الإقليمية، ذات الإهتمامات المشتركة، أو التي قد تدخل ضمن نطاق المصالح المشتركة أو المصالح المتبادلة، وربما التحديات أو التهديدات أو الأخطار المشتركة في الأمن والطاقة والإقتصاد والإستثمار والتوظيف والإنتاج والإستهلاك والتبادل التجاري.

 

روسيا والهيمنة الأحادية الأميركية

 

لقد شكل سقوط الإتحاد السوفياتي، كمحطة سياسية وتاريخية واستراتيجية، في العقد الأخير من القرن الماضي، بداية طور جديد في السياسة الدولية والعلاقات الدولية، وهو طور الأحادية القطبية الأمريكية الذي أعقب طور الثنائية القطبية الأمريكية – السوفياتية، في حين تمثل عودة الإتحاد الروسي بقوة منذ العقد الأول من القرن الحالي نهاية أو بداية نهاية حقبة الأحادية القطبية الأمريكية، ذلك أن الإتحاد الروسي هو الوريث الرسمي والشرعي الوحيد للإتحاد السوفياتي بحجمه ووزنه وثقله، بعيدًا من التباين والتمايز بينهما في الأيديولوجية والإستراتيجية. وهي حقيقة علمية وثابتة تاريخية، لناحية الإشارة إلى الفروقات والإختلافات بين الإتحاد السوفياتي والإتحاد الروسي والإحاطة بهما لدى توصيف وتصنيف وتقييم كلا النموذجين والتجربتين السياسيتين والتاريخيتين والإجتماعيتين، السوفياتية والروسية.

 

كانت روسيا طوال الفترة الماضية الأكثر حزمًا في مواجهة أمريكا. وهي لا تزال هكذا حتى حينه. وهي أيضًا حقيقة علمية وثابتة تاريخية، لا يمكن إنكارهما، ولا حتى إغفالهما، في إشارة إلى العديد من المحطات التاريخية والأحداث السياسية، من مثل حرب أوكرانيا 2021، حرب سوريا 2015، حرب جورجيا 2008... وهي قد تكون الأكثر قدرة أيضًا على التصدي بأكثر من طريقة ووسيلة لأمريكا، أو لنقل من بين الأكثر قدرة على ذلك بالحد الأدنى، بحال أضفنا إليها الصين، وإن كان الإختلاف كبيرًا وعميقًا بين موسكو وبكين من حيث التوجهات والأساليب والطرائق والوسائل والأدوات، ولا نقول الخلاف بينهما. يُضاف إلى ذلك أيضًا أن الروس هم الأكثر جرأة وشجاعة في منازلة ومقارعة الأميركيين على الصعيد العالمي، وكذلك هم الإيرانيون أيضًا على الصعيد الإقليمي في منطقة غرب آسيا أو الشرق الأوسط.

 

روسيا وسياسات الإستئثار بالنفوذ الغربية

 

لم يقتصر موقف ودور روسيا حيال القوى الغربية، الإمبريالية والإستعمارية، خلال العقدين المنصرمين، على رفض ومعارضة الهيمنة الأحادية الأمريكية، ومن ثم المبادرة إلى مواجهتها ومحاولة التصدي لها. فروسيا ليست في عداد القوى الغربية على الإطلاق، لا قديمًا ولا حديثًا. وهي تختلف مع هذه القوى الغربية، الأوروبية سابقًا والأمريكية لاحقًا، في العديد من المقاربات والتوجهات والإتجاهات، وكذلك في العديد من السياسات والتموضعات والإصطفافات. كما أنها ترفض ولا تقبل سياسات الإستئثار بالنفوذ الدولي أو النفوذ السياسي في المجال أو الفضاء الدولي من قبل مجموعة القوى الغربية عمومًا ومجموعة القوى الأطلسية خصوصًا. وهو ما تعبر عنه موسكو على الدوام، وتجسده بالسلوك والممارسة أيضًا، في السياسة والإعلام والدبلوماسية والإستراتيجية.

 

من هنا، لم تتردد روسيا مرارًا وتكرارًا في الإعتراض على العديد من التصريحات والمواقف والتصرفات الغربية، سواء كانت الأمريكية أو الأوروبية، في العديد من المناسبات والمحطات، وحول العديد من القضايا والمسائل والشؤون الخلافية، العالمية والإقليمية، الشائكة أو العالقة أو الساخنة، أو حتى المحتدمة أو المتفجرة أو المشتعلة، وذلك من على المنصات والمنابر، وعبر المحافل والمجالس، كما داخل الكواليس والأروقة. وذهبت إلى حد المواجهة حتى مع القوى الغربية والسياسات الغربية والمسؤولين الغربيين. وثمة شواهد تاريخية وحية على هذه الملاحظة الفارقة وهذه الحقيقة الدامغة. فالروس يرفضون ويعارضون الأطلسيين بصورة خاصة والغربيين بصورة عامة، ويتمسكون بحقهم وواجبهم في المشاركة والمساهمة في تسيير وإدارة الشؤون الدولية، العالمية والإقليمية، من منطلق الندية في التعامل الدولي والإحترام المتبادل للسيادة الوطنية والكرامة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكذلك قاعدة المعاملة بالمثل، إذا ما دعت الحاجة أو اقتضت المصلحة ذلك.

 

روسيا والنظام العالمي الجديد

 

يشهد العالم برمته مرحلة انتقالية مؤقتة. قد تبدو الرؤية ضبابية للكثيرين. وقد يعتقد البعض أن هذا المخاض ربما لا نهاية له. ولكننا نشهد مخاض ولادة النظام العالمي الجديد. ولروسيا دور أساسي ومركزي ومحوري في مثل هذه السيرورة. وقد تكون اللاعب أو الفاعل الدولي الأبرز، ومن بين اللاعبين أو الفاعلين الدوليين الأهم على الإطلاق، ومعها كل من أمريكا والصين. فالنظام الدولي القديم الذي ولد من رحم الحرب العالمية الثانية انتهى إلى غير رجعة. كذلك، فإن النظام الدولي السابق الذي أعقب الحرب الباردة سقط أيضًا. وقد كان لروسيا الدور الكبير والعظيم في إعادة خلق الأوراق الدولية من جديد والضغط والدفع باتجاه إعادة تشكيل المشهد العالمي من جديد وإعادة تركيب النظام العالمي من جديد أيضًا.

 

لقد رفضت روسيا الإنصياع والإذعان للهيمنة الأحادية الأمريكية والإرادة المنفردة الأمريكية. هي محقة في انتهاج هذا التوجه وسلوك هذا الخيار واتخاذ هذا القرار واعتماد هذا الموقف. وهي تعيد بناء وتنمية قدراتها وصوغ ورسم سياساتها وتحديد وتسديد توجهاتها في هذه اللحظة السياسية والتاريخية فائقة الأهمية والخطورة وبالغة الدقة والتعقيد. وهي تضطلع بالمسؤولية الدولية والتاريخية والوطنية والقومية الملقاة على عاتقها. إن النظام العالمي الجديد الذي يرتبط عضويًّا بما تقول وتقوم به روسيا بالذات، ومعها عدد من القوى الدولية والإقليمية، الصاعدة أو الناشئة، هو نظام دولي متعدد الأقطاب ومتعدد الأطراف، لا مكان فيه للإستئثار بالنفوذ الدولي أو النفوذ السياسي والنفوذ غير السياسي في المجال الدولي، ولا حتى الإحتكار والإستكبار والتفرد والإستفراد والتسلط… وهو نظام دولي يُفترَض أنه سيقوم على أساس التوزان الدولي. كما أنه نظام دولي سيقوم على أساس المشاركة والشراكة الدوليتين في عملية صنع القرار الدولي. وهو ينحو – على ما يبدو – لأن يكون أقرب إلى صيغة ونموذج التعددية القطبية منه إلى صيغة ونموذج الثنائية القطبية.

 

لقد خرجت القوى الأوروبية من حلبة التنافس الإستراتيجي، وربما أُخرِجت. وقد باتت فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا تقع في خانة القوى الوسطى، وكذلك بقية القوى الأوروبية، بصرف النظر عن فوارق الأحجام والأوزان والأدوار، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا. فهي ليست قوى كبرى بطبيعة الحال، على غرار أمريكا وروسيا والصين، وهي لم تعد حتى قوى عظمى، ولكنها ليست كبقية القوى الدولية. فانحسرت وانحصرت دينامية المنافسة الدولية بين واشنطن وبكين وموسكو، دون سواها. ولكل من هذه العواصم الثلاث للقرار والإستقطاب العالميين تاريخها وتقاليدها ومبادئها وأهدافها ومقاصدها في السياسة الدولية. ولكل منها سجل خاص بتجاربها وإنجازاتها وإخفاقاتها بميزان الحسابات والتقديرات للإيجابيات والسلبيات، كما بميزان الأرباح والخسائر. إن الإجابة على الأسئلة حول الرهان على الدور الروسي أعلاه يكمن في صلب هذه المقاربة وهذه الإحاطة بلغة التفكير والتخطيط الإستراتيجيين.

theme::common.loader_icon