بول فاليري.. شجرة الجسد الخالدة
بول فاليري.. شجرة الجسد الخالدة
نسرين بلوط
Monday, 21-Nov-2022 06:38

عندما يفتح الشاعر نافذة في جدار الوجدان ويطلّ من كوّتها على أسراب الطيور المرتحلة في ضباب التكهّنات، فهو يشرفُ على الكون أسره بميثولوجيا التوحّد بأرواح الآخرين الذين يقتبسون مشاعرهم من قلمه ويستقون آلامهم من تجربته الذاتيّة.

كان الشاعر الفرنسي بول فاليري ذاك الكاتب المنتحل صفة ساعي البريد بين السماء وفلسفة الكون التي تصبّ هدفها في الشعر ذاته، مطبّقة مذهب البرناسية الذي اعتنقه فاليري بشتّى حواسه، وناشد به ليحرّر النفوس الملجمة ويصوّبها لقبس الحلم.

 

وعلى طريقة الأديب فيكتور هوغو، فالشعرُ قد مثّل لفاليري قنديل الحكايا الرّاسخة قرب مواقد الأحاسيس التي تتلفّع بها نبضاتُ قلمه، وتتكوّن مثل الجنين في رحم المعاناة. فهي تكافح وتتحدّى حتّى تتجلّى أخيراً كالنّار التي تلمعُ شراراتها في حناجر العتمة، وما تلبث أن تنطفئ وتستحيل رماداً يشبه الذكرى الجميلة، أو تترجّح بين سعة الكأس المترعة بالألم أو ضربة الفأس التي تنتزع الجذور من أعماقها النائمة.

 

في قصيدة «المقبرة البحرية» التي ترجمها الشاعر الألماني ريلكه، تجتازُ حروفه كلاسيكيّة التعبير لتخترق سدود السطحيّة وتغوص في عمق التساؤلات الإلهاميّة التي يصوّرها له غموض البحر وشرود الأفق وهمس الموت الذي لا ينتظر إشارة بوهيمية كي يصل إلى مرامه، بل يترك ما يشير إليه ناموس الكون، وما يثير فضوله من معرفة وتراث وجواهر انسانيّة.

 

يقول فاليري:

«هذا السقف الهادئ الذي يخطو عليه الحمام/ يرفّ بين أشجار الصنوبر، بين القبور/ والظهيرة العادلة تشمله بالنيران/ البحر، البحر، الذي يبدأ على الدوام ويعيد/ يا لها من نعمة تفكيرٍ عميق/ في نظرةٍ طويلةٍ إلى هدوء الآلهة!/ أيّ عناءٍ خالصٍ للبروق اللطيفة يستنزف/ جواهر كثيرة من الزبد غير المنظور/ وأيّ سلام يبدو كأنّه يتخلّق/ عندما تستريحُ شمسٌ على الهاوية/ كأعمالٍ خالصة لقضيّة أبديّة/ يتألّق الزمن ويصبح الحلم معرفة/ أيّها الكنز الثابت، يا معبد منيرفا البسيط/ يا كتلة الهدوء ومدّخر الرؤية/».

 

يمعن فاليري في إخراج شعره على شكل مشهدٍ من رسومٍ مغبشّة ومشبحة، بتقنية التصوير والموسيقى، فلا ينتهب فيها اللذات والشهوات الموفورة، بل يعمد إلى تنقية الروح من شوائب الغرائز ويشقّ بها عباب الجوّ حالماً عالماً بخفايا الأمور. فيلتظي بركان التمرّد على الواقع في حشايا معانيه ويتسربل بمرأى الأشباح القلقة التي تزور فكره بماورائيّات السحر. يقول في إحدى قصائده: «لآلاف المرات تذكّرت أني شعرت بالوحدة، وتمنيت بغضب نهاية الأزمان السيئة أو نهاية الفكر. ربما لن يترك وراءه سوى ركام ناقص من المقاطع المختصرة، من الآلام المحطمة فوق هذا العالم، من السنوات المعيوشة في دقيقة، من الأبنية غير المكتملة والمجمّدة، من العناء الكبير المأسور في نظرة، من الأموات. لكن ثمة وردة لكل هذا الخراب».

 

هو شاعرٌ مستعدٌّ دائماً للمواجهة، وقلّما تخيّبه الصدف، فهو منشرح منطلق، تعلو جبينه بقايا من رمادٍ خفيف خلّفتها ثورة الشعر الذي آمن بأنّها نارٌ مقدّسة تجتاح كيان الإنسان وتفلح في تغييره وتشكيله حسبما تشاء. وباعتقاده أنّ للشعر مفاتيح تشقّ كثبان الغيوم داخل المرء وتنير له خفايا الظلام. هذا الإيمان الصارخ بتأثير الشعر، يمتزج لديه بتظاهرة روحيّة لا تحتمل التسكّع أو التوقّف أو التوجيه، فهي منطلقة من تلقاء ذاتها، لها مرافد تعبيريّة ومحسّنات بديعيّة للكلمات التي تتوّجّها. فمثلاً عندما وصف تعبير المعاكسة بين النهار والليل قال: «في الصباح، أقدّم التضحيات الساذجة. للشمس، أقدّم أحلام الليل. على حجر الواقع أبدّدها. وضوح الأجساد، قسوة ظلالها، اكتمال النظر/ أحرق أعدائي وسأمي. أبجّل الأفكار الجميلة؛ أسلخ /أغسل/ روحي من الهفوات؛ أحاكم نهار البارحة، أطالب بالقوة لأقوم بأشياء مفيدة/ يختبئ في نوره، أنغلق في كرة من الاشراقات/ لا أعرف شيئاً بعيداً من كل ما هو واضح. تحدّدني هذه الشفافية وكل نظرة تصبح حجاباً/ كل ما يُرى حتى الخط المتوازي اللانهائي».

 

إنّ حركات الموج تشبه الإيقاع المتسارع في شعر فاليري، فهو مترفٌ به إلى درجة الانحلال الروحي، ويفتح من خلاله المدن الساحرة للخيال المحلّق في اللامحدود. ليجنّد التأمّل وسيلةً للانفراجات العاطفيّة التي يداخلها الحزن في كتابته. وعلى الشاعر أن يتحرّر في الهواء الطلق مثل الشجرة التي تنمو في هواءٍ حرّ وطلق، لا يحدّ من ثباتها ولا حريّتها حائل، فتصبح القصيدة خلاصة النشوة الحقيقيّة والثمالة المقدّسة بأنفاس الرحاب الشاسعة للوجود. فمخزون الظلال المنحدرة من مرايا العزوف عن الملموس والجنوح للمحسوس لا تنضب في لغته ولا يقتفي أثرها طالب، لأنّها تحمل بصمة تاريخه المكتوب بروحه المتعريّة للحريّة.

 

بول فاليري، آمن بالشعر كإله حي، يبرهن ويعلّل ويحلّل ويشرح ويسبر ويعبر ثمّ يصل أخيراً إلى واحته المنشودة، ليصبح وجهاً مزدحماً بآثار الانطواء الذاتي والانكفاء الوجداني. فكما قال يوماً في وصف المسار الطبيعي والتطبيقي للشعر، وهو يحمل سمة الحركة المطوّقة للعالم: «الشعر لا يحتمل التوقف، أو الوقوف في نقطة، أو على خط، أو حبل غسيل، لأنّ الركض سمةٌ رياضية للشعر المتخم بحمى سباقات العالم المتداخل ما بين هرولة آلام الداخل، والركض الخارجي مع طيران النحل».

theme::common.loader_icon