«التحوّل» رؤية سرديّة تفصيليّة في نفق الحياة
«التحوّل» رؤية سرديّة تفصيليّة في نفق الحياة
نسرين بلوط
Wednesday, 03-Aug-2022 06:21

ينطلقُ الروائي والشاعر الفرنسي ميشيل بوتور في روايته «التحوّل» عبر نفق الذكريات الذي يوحّد أصوات الماضي والحاضر، ويمهّد لهتاف الآتي ببحّة وجدان ومنطق أشجانٍ تلوّنت بمزاجيّة الحياة ورفاهيّتها وقساوتها أيضاً، مُترجمَةً بآفاتها وحسناتها بلسان ميشيل الرجل المتزوّج من هنرييت والذي يعمل في شركة سكابيلي، ويخفي في طيّات روحه سرَّ عشقه لسيسيل التي تعيش في روما، ويستقلّ القطار بلا تردّد متوجّهاً إلى روما للقائها والتحرّر من أعباء مسؤوليّاته الزوجيّة، لينفضَ عنه آثار التدجيل والتملّق، والتزييف المرير الذي لطالما صالَ وهدر في حشايا أغواره التي لم تعد تتقن الرياء ولا الادعاء أو الاختفاء.

 

يفصّل لنا ميشيل مشاهد القطار بشكلٍ بالغ الدقّة، يفصح عن بنية سرديّة متمرّدة على أجداث البنية التقليديّة، فيحلّل ويعلّل ليصبح كلّ سرّ لديه علانية، وينفض عن قلبه ما خرقها من الشهوات والحسرات، ليتصالح مع نفسه في رحلة من باريس إلى روما، تتخلّلها محطّات وعبارات وتعبرها ذكرياتٌ غبطه عليها الكثيرون ولكنّها لم تكن سوى مصدر آلام ومتاعب له.

 

ولا زاجر لاندفاعه الشّديد بعد أن خرق هدنة السكون الزوجيّ المدجّج بالقلق واستقلّ القطار ليهرب من تعاسته التي تطالعه كلّ يوم في وجه زوجته ولا يستطيع معها سبيلا، ليعلن أخيراً استعداده للالتحاق بسيسيل في روما حتّى يحضرها معه إلى باريس ليبدأ الاثنان حياة جديدة لطالما حلمت بها وتاقَت إليها، ولكن منعه عنها ضعفه وفتوره.

 

لقد تذرّع بالعمل ليهرب من نظرات زوجته هنرييت الساخرة التي تتأجّج في قلبه مثل شذرات الحجارة التي تفقأ صلابة جأشه، وقد سئم من هذا الانزلاق الروحي العجيب الذي تقوده إليه زوجته باستهتار، وقد خمدت بينهما مشاعر اللهفة التي جمعتهما في الماضي، وأيقن أنّ سعادته القادمة ستكون مع سيسيل المتفانية في توفير متعته، وتشرف على أحاسيسه بقلب من ذهب لا يصدأ.

 

مشهد القطار ثابتٌ لا يتغيّر، وهو يزخر بتفاصيل دقيقة تتماوَج من خلال تسقّط المعلومات والملاحظات عن كلّ راكبٍ في القطار، لتشمل الركّاب ومفتّش القطار وحتّى الأطفال، أمّا العوامل الخارجيّة التي تتنقّل من ذهن الكاتب إلى عمق المتلقّي بسرعة البرق، فهي الأحداث التي تتالت عليه منذ ان تزوّج، وحتى بات يُمقت زوجته وصار رجلاً خائناً، وما شدّه إلى سيسيل هو هذا التحرّك الدائم المتراصف في ميدان التلاقي المتوتّر بين مدينتين يجمعها الحنين ويشدّهما الهجر المؤلم.

 

إنّه في طريقه إلى التحرّر من وبال الماضي الذي يزجره ويكرهه، ليصبح هشيماً تذروه الرّيح، ويستحضر ومضات خاطفة منه ليقضي على عنق الأفعى التي تحاصره وتمثّل له الأمس، ويمعن في استقطاب الغد حتّى يتهيّأ له أن ينتشي بهذا التحرّر الكبير من أسره الخطير.

 

هو ماضٍ في الرّخاء والبلاء معاً، بين الحاضر والأمس، بين حياته الأسريّة القاتمة ولهفته في الحبّ والانتقام، يقرأ وجوه من حوله ويتمعّن في قراءتها، ليزهق أعصابه بين جنبي المسبّب لما تدّخره النفوس البشريّة من الأسرار الجمّة، وينحي باللائمة على ما جرى في حياته على الملل والرتّابة والتّكرار، فقد أصبحت زوجته مع الزمن متحفّزة للتهكّم والتندّر عليه بنظراتها الصّامتة، متحفّظة في الدّين ومُنحازة لتعاليمه الصارمة، وباتت في سلوكها مثار استفزاز له واستنكار منه، ووجد في سيسيل مثال المرأة المتحرّرة من أيّ قيود أو أعباء، وقد سعى أن يعرّفها الى زوجته وأطفاله بحجّة أنّها صديقة التقى بها في روما وساعدته على اجتياز العديد من المشكلات هناك، وقد انسجمت لدهشته مع تفكير زوجته وقدّرت سعة فكرها وعمق وعيها، ولكنّها أبقت عليه كحلبة صراع لأنوثتها التي تسعى بها أن تجتاح ما تبقّى من عمره ليصبح تابعاً لها.

 

وقد نجحت سيسيل في أسر تعنّته من الحياة وباتت واحة أمان له، وها هو ينطلق من باريس سعياً وراءها، غير مقنوط من رحمة الهوى ولا مُستنكف من تأثيره الخارق الذي يستحلّ كلّ ما أقدم عليه في سبيله.

 

الحنين الذي جمع مدينتين متمثّلاً في عاشقين أحدهما متزوّج، يسطع بأسلوبٍ ميتافيزيقيّ في نهاية الرواية حين يعجز البطل على اتّخاذ قراره، فيلمّح بالعودة إلى زوجته فجأة لأنّه يصل إلى قناعة بأنّ عشيقته سيسيل ستستحيل مع الزمن نسخة عن زوجته بتطلّعاتها وتململها من الواقع، وأنّه سيقع فريسة مرّة أخرى لعلاقة وهميّة لا جذور ثابتة لها في الأرض تضمحلّ مع الوقت لِتندثر.

 

هذا التواري المخفي الذي جعل القطار فجأة يطير في الفضاء بحسب تعبيره ليمنح روحه صفة التنقّل والتجسّس على ماورائيّات الكون يلغي الحبكة الأساسيّة التي لا نكاد نلمحها في مسار القصّة، ولكنّ تقنيتها السرديّة تكمن في التفلّت من عناصر المكان والزمان والتكلّم إلى الذات بأسلوب المخاطب المباشر، هي رحلة مختصرة للعمر والقدر والاحتمالات القدريّة، كلّ العناصر تشيد برهبة القرار الذي يوشِك البطل على أن يتّخذه ولكنّ الدلالات تبدو واهية وكذلك الإشارات والمبرّرات.

 

ميشيل بوتور حاولَ ابتكار فنّ التفصيل والانفلات من قبضة العناصر الروائيّة الضروريّة لتشكيل الحدث والمحور اللازم للحبكة، ولكنّه كان مغبوطاً على سرعة تأقلمه مع الفوضى التي عمّت أفكاره من خلال السرد، فقد تكفّل للقارئ بإثارة الأشجان والذكريات وأوثق دهشته بحبل غليظ يتنقّل به من موقفٍ مرّ به إلى موقفٍ آخر أكثر احتجاجاً، ولكنّه تخاذل في أن يحكم عليه الحصار من خلال تشويقه وتشجيعه لمتابعة القراءة. ولكنّ أسلوبه السلس يقضي على الاختلال الكامن بين التصوير والتعبير، وقد نجح عندما أخفق والعكس صحيح.

theme::common.loader_icon