هل لبنان "وطن الرسالة"؟
هل لبنان "وطن الرسالة"؟
شارل جبور
Tuesday, 02-Aug-2022 06:20

أطلق البابا يوحنا بولس الثاني مقولته الشهيرة عن لبنان إبان زيارته التاريخية لهذا البلد في أيار من العام 1997 بأنّه «وطن الرسالة»، والتي وردت في متن الإرشاد الرسولي الذي وقّعه بعنوان «رجاء جديد من أجل لبنان».

قال البابا: «انّ لبنان أكثر من وطن، هو رسالة حرية وعيش مشترك للشرق والغرب. لبنان هو أكثر من وطن، أكثر من بلد، أنّه رسالة، رسالة العيش المشترك السوي بين المسلمين والمسيحيين، ورسالة للغرب الأوروبي والأميركي مثلما هو رسالة للشرق العربي والإسلامي، أي انّه رسالة عالمية».

 

فهل فعلاً لبنان «وطن الرسالة»؟ وهل ما قاله البابا ينمّ عن إقتناع فعلي لديه؟ أم يندرج في إطار رسالة حضّ لتشجيع اللبنانيين على تجاوز انقساماتهم وخلافاتهم من خلال توحيدهم حول مثل عليا، وإعطاء لبنان قيمة مضافة تستدعي من جميع اللبنانيين النضال لرفع معنى بلدهم من وطن إلى رسالة؟ وهل هذه المقولة تعبِّر عن اقتناع فاتيكاني بأنّ التجربة المحدودة زمنياً بين عامي 1943 و1975 يجب العمل على إحيائها؟ وهل كلامه بعد 7 سنوات على انتهاء الحرب الأهلية يرمي إلى مساعدة اللبنانيين على طي هذه الصفحة سريعاً بغية إحياء تجربتهم القديمة، خصوصاً انّ زيارته كانت محدّدة في العام 1994، ولكن التبادل الديبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل أدّى إلى حملة تخوين لدى الأصولية الشيعية ضدّ الفاتيكان، فتقرّر تأجيل الزيارة خشية من أعمال أمنية؟ وهل أجرت الدوائر الفاتيكانية مراجعة ضمنية لمقولة البابا يوحنا بولس الثاني من انّ «لبنان أكثر من وطن إنّه رسالة»، أم «أنّ ما قيل قد قيل» على طريقة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟

 

ومع التقدير الكامل لنيات الفاتيكان حيال لبنان، وحرصه على وضعيته واستقراره وتمسّكه بتجربته، ولكن الوقائع تستدعي فعلاً مراجعة عقلانية لهذه المقولة لا عاطفية، لأنّ لبنان أقلّ من وطن، ولم يرتقِ يوماً إلى مرتبة الوطن، وبالتالي غير صحيح انّه أكثر من وطن. وأما الرسالة فحدِّث ولا حرج، فهو قد يكون رسالة للعالم كله، عنوانها اللبننة، وفحواها كيف انّ شعوباً ومجتمعات غير قادرة في هذا الزمن والعصر على الاتفاق على قضايا ومسائل تحوّلت بديهيات في كل أنحاء المعمورة، من قبيل معنى السيادة والاستقلال والقرار الحر.

 

فلبنان هو أقل من وطن بكثير. لأنّ في الأوطان دساتير وقوانين ونُظماً وقضاء وانضباطاً وهيبة وانتماء وولاء، وكل هذه المبادئ والثوابت غير موجودة في لبنان، وبالتالي قبل ان يتحوّل رسالة يجب ان يرتقي إلى مرتبة الوطن التي ما زال أدنى منها بكثير، ولا مؤشرات إلى إمكانية قيام وطن في ظل شعب منقسم حول كل شيء.

 

وهذا الكلام ليس موجّهاً لا من قريب ولا من بعيد إلى الفاتيكان الذي له كل التقدير على عنايته المستمرة بلبنان، ولا بل يُثمّن موقفه الذي رفع لبنان إلى مرتبة الرسالة كثيراً، لأنّ اللحمة بين الشعوب لا تُبنى سوى من خلال خلق قضية توحدها. إنما لا بدّ للبنانيين من قول الحقيقة ولو كانت صعبة وجارحة، لأنّ التكاذب لا يبني وطناً، وفي لبنان لا وجود لوطن، إنما لمزرعة كما أطلق عليها التسمية الشيخ بشير الجميل.

 

ويستحيل رفع مرتبة لبنان من المزرعة إلى الوطن، قبل ان تعترف مكوناته بأنّه مزرعة تنتمي إلى عصور ما قبل نشوء الدولة في التاريخ. وكل الكلام عن تعايش وعيش معاً وصيغة فريدة ورسالة للعالم، يرتقي إلى الشعر والتمنيات، التي لا علاقة لها بالواقع اللبناني المريض بانقساماته وخلافاته وفشله في ان يكون دولة على غرار أي دولة في العالم تحترم شعبها وتؤمّن له أبسط مقومات الحياة من استقرار وازدهار وفرص عمل وبحبوحة وحب للحياة وأسلوب عيش وأمن وأمان..

 

وهذا الإصرار الدائم على القفز فوق المعضلة اللبنانية البنيوية والجوهرية لا يفيد بشيء، بل يساهم عمداً أو عن غير قصد بإبقاء واقع المرض العضال على حاله، وهو انّ الشعب اللبناني لم يتفِّق يوماً على العناصر المؤسسة لأي دولة وكيان ووطن، حيث انّ مشكلة الانتماء كانت مطروحة دوماً، وأزمة الولاء لم تُحسم يوماً، والسعي إلى تغيير الوقائع السياسية والديموغرافية لتغيير هوية لبنان ودوره وطبيعته السياسية والاقتصادية لم يتوقف يوماً، وبالتالي عن أي وطن نتحدث، وما الرسالة التي نوجّهها للعالم؟

 

والحقيقة انّ وقائع خارجية وداخلية فرضت تعايشاً بين مجموعات مختلفة في تكوينها ونظرتها، ونجاحها في إقامة دولة في فترة زمنية قصيرة، كان سببه عدم قدرتها على التفلُّت من ميزان القوى الخارجي والداخلي الذي فرض التعايش ضمن الترتيب السلطوي المعروف. وفي اللحظة التي اختل فيها هذا الميزان تفلّت من لم يكن مؤمناً بكل هذه التركيبة على خلفية أحلامه التوسعية وعقيدته النقيضة للبننة، كتعبير عن نهائية الكيان وحياده ودوره، ودخل لبنان في أزمات وحروب لم تنتهِ فصولاً بعد، ولن تنتهي قبل نشوء ميزان قوى جديد خارجي وداخلي، ليس من أجل إعادة استنساخ التجربة الفاشلة نفسها، إنما من أجل إرساء قواعد مؤسسة لنظام سياسي جديد.

 

فالمعطيات الراهنة لا تسمح بالخروج من هذه التجربة الفاشلة، لأنّ من يقبض على السلطة والقرار يريد لبنان على ما هو عليه ساحة ومزرعة، وهو الفريق الأقوى بسلاحه ودعمه من دولة خارجية. وأي تغيير في هذه الوقائع يؤدي إلى انتفاء مشروعه الذي يعيش في الفوضى ويتنفّس من عدم الاستقرار، ما يعني أن لا أمل راهناً بالخروج من هذا الواقع. ولكن هذا لا ينفي ضرورة تهيئة الظروف السياسية المؤاتية لخلق واقع جديد.

 

والحوار بين اللبنانيين مفروغ منه ولا يؤدي إلى نتيجة، لأنّ الفريق الأقوى يستخدم الحوار في سياق مناوراته لإبقاء الواقع المرضي القائم، ما يعني انّ السياسة الوحيدة الممكنة راهناً هي سياسة الصمود منعاً لابتلاع ما تبقّى من هذا البلد، وبغية تأخير هذا الفريق من تحقيق مشروعه بتغيير وجه لبنان. ولكن سياسة الصمود بدورها لا يجب ان تتحوّل صموداً من أجل الصمود في انتظار معطيات خارجية قد تأتي وقد لا تأتي، إنما بالتوازي، هناك ضرورة لوجود مشروع سياسي وثقافي يعيد النظر بكل هذه التجربة والتركيبة. فلا إنقاذ من دون مشروع متكامل الأوصاف يعيد صوغ هذا البلد وهندسته مجدداً.

 

وخلاصة هذا الكلام، انّ لبنان ليس بوطن ولا طبعاً رسالة، إلّا إذا كانت هذه الرسالة سلبية عن دول فاشلة ومجتمعات متناحرة يجب على سكان الأرض تلافيها. كما انّ هناك استحالة لعلاج هذا المرض، لأنّ النزاع ليس سلطوياً على الكراسي والمقاعد والنفوذ، إنما مواجهة مع عقيدة سياسية لها جمهورها وناسها ودعمها الخارجي، ولا تؤمن بالمرجعيات التي اتفق حولها اللبنانيون يوماً بقيام دولة ونهائية كيان ودستور وحياد وعلاقات متوازنة مع العرب والغرب وحريات وانفتاح على ثقافات العالم. وهذه العقيدة تستخدم السلطة والسلاح تحقيقاً لمشروعها عن طريق فرض أمر واقع جديد، وتعبِّر بوضوح عن تمايزها من خلال تنشئة أجيالها على هذه العقيدة التي تتعارض مع العقيدة اللبنانية، وتخطِّط لتغيير الوقائع اللبنانية التاريخية، بهدف جعل كل لبنان على صورتها، ومواجهتها لا تكون حصراً بسياسة الصمود المتبعة، إنما من خلال نقل المواجهة معها إلى عنوان آخر، لأنّ عنوان التعايش والعيش معاً وأكثر من وطن ورسالة أصبح يشكّل، ويا للأسف، غطاءً لها، فيما المطلوب سحب هذا الغطاء وتعريته، من خلال مشروع سياسي- ثقافي عنوانه إعادة النظر بكل البلد وتجربته، واستحالة التعايش بين مشاريع متناقضة في تكوينها الثقافي والسياسي والمدني، والعمل على تشكيل رأي عام عريض يستند إلى نخبة وانتلجنسيا تشكّل العمود الفقري لهذا التغيير.

theme::common.loader_icon