"أمر ما" متوقّع حتماً
"أمر ما" متوقّع حتماً
طوني عيسى
Tuesday, 02-Aug-2022 06:14

وصلت الأزمة في لبنان إلى مفصل ربما يكون حاسماً، ومن المستحيل استمرار المراوحة بعده. فإمّا الانفراج وإمّا الانفجار.

يقترب البلد سريعاً من «أمر ما» لم تتضح طبيعته، لكنه على الأرجح سيحرك المستنقع ويقود إلى حسم الاتجاه. ولكن ليس معروفاً، من أي باب ستدخل عناصر الحسم: معجزة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أم معجزة الاتفاق السياسي الداخلي حول رئاسة الجمهورية أم معجزة الاتفاق حول ترسيم للحدود وتقاسم للغاز في المنطقة الحدودية، بما يراعي مصالح لبنان وحقوقه في موارده؟

 

الأحرى، هل هناك ترابط خفي بين الملفات الثلاثة؟ وفي عبارة أكثر وضوحاً، هل إن لبنان مرغم على الدخول في اتفاق الترسيم والتزام الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، من خلال صندوق النقد، كشرط لتسهيل التسويات الداخلية من مالية ونقدية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة فاعلة؟

 

ثمة من يقول إن لبنان ينقاد سريعاً نحو تسوية أو «طبخة» متكاملة داخلية - خارجية، وذات أبعاد سياسية واقتصادية في آن معاً. ويبدو أن أدوات هذه الطبخة تتكامل بهدوء.

 

ثمة من يسأل مثلاً عن لغز التفاؤل الذي يبديه المسؤولون اللبنانيون بإمكان التوصل إلى اتفاق في الناقورة، على رغم الشكوك التي تعتري الموقف الإسرائيلي ومحاولات الابتزاز.

 

وأكثر من أي يوم مضى، هناك اتجاه في لبنان لوضع المُسيّرات التي أطلقها «حزب الله» في سماء المنطقة الحدودية في سياق الضغط نحو الحل لا نحو التصعيد. والعنوان الذي يتحرك تحته «الحزب» هو: فليستثمِر لبنان موارده من الغاز كما تفعل إسرائيل. وهذا موقف يتصف في العمق بكثير من المرونة والبراغماتية.

 

لذلك، ترتدي جولة الموفد الأميركي عاموس هوكشتاين الحالية أهمية خاصة، لأن الظروف التي تتم خلالها أكثر نضوجاً من أي يوم مضى، ولأن الجميع يسعى إلى الحل السياسي. وعلى الأرجح، حتى الجانب الأميركي يُقارب الملف من زاوية أكثر واقعية، وثمة من يعتقد أنه بات أكثر استعداداً لمراعاة المطالب اللبنانية.

 

في موازاة ما يجري على جبهة الترسيم، ثمة إشارات مثيرة للاهتمام تظهر في مسألة العلاقة ما بين لبنان وصندوق النقد الدولي، يقرأها البعض وكأنها جزء من خطة تقوم السلطة اللبنانية بتنفيذها، وتهدف إلى الالتزام التدريجي بشروط الصندوق والمجتمع الدولي.

 

في مقدم هذه الإشارات توحيد سعر صرف الدولار. وهذا الأمر يجري في لبنان بطريقة حثيثة وإصرار، تحت مسمّيات وأشكال مختلفة وقرارات وتدابير في القطاعات المصرفية والمالية وفي تقويم السلع والخدمات كافة، بما فيها الضرائب والرسوم التي تتقاضاها الدولة من المكلفين.

 

فمن الواضح أنّ هناك اتجاهاً متعمّداً لدى الحكومة اللبنانية والمسؤولين عن الشأن المالي لتحرير سعر الصرف وتوحيده. وقد جرى اعتماد سيناريو الطوابير سابقاً في قطاع المحروقات لتبرير التسعير بالدولار، وهو السيناريو المعتمد في قطاع الدواء والرغيف، ما يعني أن الأزمة مُقبلة على حل وحيد هو تحرير سعر الصرف.

 

والدولة نفسها بدأت تتقاضى أثمان خدمات الاتصالات بدولار منصة «صيرفة»، وهو العتبة التي ستمهّد للتحرير لاحقاً. وسيتبع ذلك تسعير الكهرباء ثم سائر الخدمات.

 

وفي هذه الأثناء، ووسط الانهيار التلقائي للقطاع العام وهروب موظفيه من الرواتب بالليرة والالتحاق برواتب ذات شأن بالدولار، سواء داخل لبنان أو خارجه، سيجري تنفيذ الشق الآخر من شروط صندوق النقد وهو ترشيق القطاع العام في لبنان.

 

ولا حاجة إلى التذكير بأنّ التدابير المنسقة، بين وزارة المال ومصرف لبنان والمصارف العاملة، تقود هي أيضا في شكل تلقائي إلى ترشيق القطاعين المالي والمصرفي، إذ استفادت الدولة والمصارف على حد سواء من احتجاز أموال المودعين في غياب أي «كابيتال كونترول» قانوني ومُعلن، لتعويض الخسائر وتعويم الدولة والمصارف، من خلال انهيار قيمة الليرة.

 

فمن اللافت أن قوى السلطة في لبنان بقيت على مدى سنوات ترفض تنفيذ الإصلاحات التي يطالبها بها المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المانحة، وتتلكأ في التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد، لأنها كانت تنفذ قبل أي شيء خطة ضمنية لتدفيع اللبنانيين، من ودائعهم المحتجزة، ثمن الخروج من الأزمة. وبعد ذلك يأتي الاتفاق مع الصندوق على هذا الأساس.

 

وأما الإصلاحات الحقيقية فهي مستبعدة لأنها تشكل مضبطة اتهام لقوى السلطة بإيصال البلد إلى الكارثة، وبالتالي هي تقود إلى إخراجها من السلطة. وعلى غرار التشريع المتعلق بالسرية المصرفية، تريد قوى السلطة تطويع القوانين لتُلائم مصالحها.

 

إذا كان الاتجاه هو فعلاً إنتاج تسوية لملف الترسيم تتيح للبنان بدء الاستفادة من موارده النفطية والغازية، وإذا كانت علامات التأزم الحاد التي يشهدها الواقع المالي والنقدي والاقتصادي، وانهيار القطاع العام، هي الحلقة الأخيرة من الضغط قبل ظهور الحلول للأزمة المستمرة منذ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، فهذا يعني أن شيئاً ما سيتغير في المشهد اللبناني في الأشهر القليلة المقبلة.

 

حينذاك، ستأتي الانتخابات الرئاسية وولادة الحكومة الجديدة تتويجاً للتسويات المتقاطعة في ملفات عدة. وسيتم اختيار الرئيس المقبل والحكومة العتيدة على القياس لترجمة هذه التسويات.

 

فهل آن الأوان للدخول في نهايات الأزمة، بعدما تم تدفيع اللبنانيين أنفسهم ثمن الخسائر؟

theme::common.loader_icon