الفلسفة وخفّة الراقص
الفلسفة وخفّة الراقص
كه يلان محمد
Saturday, 21-Nov-2020 06:16

كانت الفلسفة إلى وقت قريب محاصرةً بالغموض والتعقيد، والإشتغال بالحقل الفلسفي ظلَّ متاحاً لمن أوتي حظاً في إدراك المفاهيم الشائكة، وتمّت ممارسة التفلسف بوصفه مجالاً مُغلقاً على صفوة القوم. وهذا ما أحدث شرخاً بين مفهوم الفلسفة والحياة اليومية، علماً أنَّ هذا النشاط العقلي كان من صميم الحياة لدى كبار الفلاسفة اليونانيين، وقد دأَب سقراط على نحت أسئلته في الشوارع، ويبدأُ بالحوار مع المقابل ويعينُ بهذه الطريقة على ميلاد الأفكار التي تدور في رأس المارة.

إستخفَ تلميذه أنتستنيز من ضروب الفلسفة التي تدقّ معانيها ولا يفهمها البسطاء. وورث الرواقيون منهج سقراط في تأسيس رؤية فلسفية غير منبتة عن هموم الإنسان العادي المسكون بالأسئلة المؤرقة بشأن المصير والخوف من المجهول، ناهيك عن الحنين إلى الماضي. ودور المؤثرات الخارجية في تصاعد الإنفعال، وخسارة الطمأنينة الداخلية أو ما يُسمّى بأتاراكسيا، والعقل الخالي من الإنفعال كما يقول ماركوس أوريليوس هو «قلعة ليس ثمة ملاذ للناس أقوى منه».

 

آلام الروح

يقعُ المسعى الفلسفي لدى الأبيقوريين أيضاً داخل هذا الإطار، وفهم ما دعا إليه أبيقور بمبدأ اللذّة بالخطأ. وفي الحقيقة لا يجوز إلتماس اللذة حسب رأي فيلسوف الحديقة إلّا ضمن مراعاة الحكمة. كما يعتقدُ بأنَّ غياب الألم هو أصدق أنواع اللذة. إذاً، تكمن أهمية الفلسفة في تخفيف آلام الروح وتحديد الآليات التي تحسّن نمط الحياة، وبذلك يكونُ أثر أزمات الواقع أقلَّ حدةً على النفس، لاسيما إذا نجحت الفلسفةُ في إصلاح العقل وغربلته من الأفكار الخاطئة، لأنّه «كيفما تكون أفكارك المعتادة تكون طبيعة فكرك» على حدّ قول الفيلسوف الروماني إبكتيتوس.

 

وصفة الفلسفة

ومن المعلوم، أنَّ هذا المنحى التطبيقي في التعاطي مع الفلسفة قد سلكهُ عددُ من المفكّرين المعاصرين. لعلَّ آلان دوبوتون هو من أبرزهم، إذ ما قدّمهُ في كتابه «عزاءات الفلسفة» يؤكّدُ دور الفلسفة في تفادي الوقوع بمطبّ الأوهام والتشنّجات العقلية. وبدوره، يحاولُ لوك فيري في «أجمل قصة للفلسفة» الإبانة عن جدلية التواصل والإنقطاع في تاريخ الفلسفة، لافتاً إلى العلاقة القائمة بين صيرورة الحياة والفكر.

 

وعلى المنوال ذاته يشتغلُ الباحث المغربي سعيد ناشيد ساعياً إلى قراءة معطيات الحياة على ضوء الفلسفة العملية وترجمة المفاهيم الفلسفية إلى حياة. أخيراً قد أضاف عنواناً جديداً «الوجود والعزاء» إلى مشروعه الفكري، حيثُ يريدُ من خلال مؤلفاته بلورة ثقافة فلسفية لمواجهة خيبات الأمل، وحماية العقل من الإنسياق خلف الأفكار المحبطة، وهذا يفرضُ العمل على دعم الأمن العقلي، خصوصاً عندما تأخذ الأزمات والكوارث بتلابيب البشرية. يرسمُ ناشيد إنطلاقاً من مسيرة الفلسفة معيقاتٍ أساسية للقدرة على الحياة، فالجهلُ عند سقراط يعادل الشقاء والبؤس، كما أنَّ الخوف هو مصدر التعاسة لدى أبيقور، وبرأي سبينوزا «تمنع الأهواء الحزينة القدرة على التمتع بالحياة»، والإستلاب حسب فهم ماركس هو ما يؤدي إلى الإغتراب، ويرى نيتشه بأنَّ «أخلاق العبودية لا تنشأ إلا نتيجة غرائز الإنحطاط»، ويذهبُ فرويد للقول بأنّ «دوافع الموت تعمّق العاهات النفسية أكثر وتحوّل الحياة إلى دوامة من الكوابيس».

 

أمّا الوجود المزيّف لدى هايدغر، هو ما يعيقُ ممارسة الحياة، بينما يكونُ نمط التملّك سبباً لسوء التعامل مع فرصتنا الوجودية. يتموقعُ صاحبُ «التداوي بالفلسفة» في صف فلاسفة الخيبة شوبنهاور، نيتشه، فولتير، كامو، لوكرتتيوس، مبرّراً موقفه هذا بما شهدهُ العالمُ من إنهيار وكوارث جرّاء تغذية الآيديولوجيات الخلاصية للأمل بالحلّ الأخير والفوز العظيم. فإذاً بالإنسان أمام حقيقة وحيدة، وهي أنّ الزمن الآمن لا وجود له، والوعود ببناء مجتمعات مثالية راكمت من حجم الخيبات. إذاً، فإنَّ إنتظار ما يعدُ به السياسيون متوسّلين بشعارات فلسفية أو دينية منمّقة، يضاعفُ من فعالية الأهواء الحزينة.

 

وكلّما تناهت إلينا كلمات السياسيين، يجدر بنا التذكير بما قاله سقراط «لا يستطيع رجل شريف أن يطيل أمد بقائه في السياسة»، ما يعني أنَّ الأهم ليس وجود آمال عريضة بقدر ما أن نعيش جيداً، وهذا يتحقّق عندما نأمل أقلّ ونعشق أكثر على حدّ تعبير سبونفيل. ويؤمنُ سعيد ناشيد بأنَّ إمكانية الإستمتاع بالأشياء تزداد حين نتعلق بها أقلّ. فالحياة كما تقول ناتالي خوري الغريب، تعشق من يعشقها ويزهد فيها في آن.

 

لعبة النرد

لا يعتمدُ سعيد ناشيد في كتابه الأخير على النصوص والمفردات الفلسفية لمعالجة المعضلات الوجودية فحسب، بل يستنبطُ الحكمَ من الأساطير والآثار الأدبية. إذ يرى في نصيحة صاحبة الحانة لجلجامش، خريطة طريق لحياة خالية من وهم الخلود. كما تقعُ على مقتبسات لعمر الخيام ومحمود درويش والمعرّي، ويشيرُ إلى ما تضمنتهُ رواية «الطاعون» حول عبثية الألم والمأساة، ويثير السؤال حول المعتقدات التي تغزو الأذهان.

 

إذ ما أن تحلُّ الكوارثَ وتنتشرُ الأوبئة حتى يتمّ تفسير ذلك بإعتباره عقاباً من الطبيعة والقوة الخارقة.غير أنَّ أعدى أعداء الإنسان هو نفسه، إنّه الكائن الوحيد المعرّض للإدمان ويفجّرُ نفسه منتحراً وتصيبه لوثة التطرّف.لذا فإنَّ الكارثة تضعُ العقل على المحك، وهي إمتحان التنوير الأشد صعوبة برأي المؤلف. ويضربُ بمأساة لشبونة الناجمة عن الزلازل مثالاً، لتبيان التأويلات بشأن الظواهر الطبيعية. إذ أثار الحدث الجلل نقاشاً ساخناً بين قطبي الفلسفة فولتير وروسو. فإنَّ ما توصل إليه صاحب «كانديد» هو أنَّ الإنسان يعيشُ في بيئة معادية.

 

بالمقابل أراد روسو مواساة المنكوبين بوجود غاية كونية وراء ما يقع من الأحداث، يذكرُ أنَّ الخيبة لا تعني الإستسلام بل هي دافع للعمل والإبداع. ولولا خيبة جلجامش بنيل الخلود ما أبصرت ملحمته الأدبية نوراً. وبعدما يختبرُ محمود درويش هشاشة الحياة، يكتبُ جداريته وينضجُ خطابه الفلسفي. إذ يقول في ديوانه الأخير: «إنَّ الحياة هي إسم كبير لنصر صغير على الموت». يُذكرُ أنَّ عبارات مستعارة من قصائد درويش هي عتبة للمقالات التي يضمّها الكتاب، ويضمّنُ ناشيد مقطعاً من قصيدة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» في تضاعيف كتابه. ويتقاطعُ درويش مع فولتير في إدراك جماليات البساطة، إذا كان الأخير ينصحنا بحرث حديقتنا فإنَّ صاحب «أثر الفراشة» يوصينا بأحلام بسيطة. ونحن بصدد الحديث عن محمود درويش لا بدَّ أن نشير الى أنَّ عبارته «أنا لاعب النرد أربح حيناً وأخسر حيناً» وما تضمرهُ من نبرةٍ مرحة، تذكّرنا بصفاء الذهن لدى الفيلسوف الرواقي يوليوس كانوس، الذي أصدر كاليغولا بحقه حكم الإعدام، وعندما دخل عليه الحارس لإقتياده نحو المشنقة، كان يلعب الشطرنج. وما من كانوس إلّا أنْ عدَّ البيادق بهدوء تام وقال لصديقه «أنا أتفوق عليك بنقطة، إيّاك أن تغشني بعد موتي».

 

إذاً، فإنَّ الإستمتاع بالحياة يتطلبُ خفّة اللاعب أو الراقص، وتتمثلُ غاية الفلسفة العملية في تحقيق هذه الخفة، وذلك بتخلّص من الخوف الذي لا يسدي إلا نصائح سيئة «ايلينا بورنر». ومن الحنين الذي ما هو إلا وجه آخر من الأمل، ومن الحزن المرضي. وكل ذلك يستدعي الإهتمام بالحس الجمالي حتى لا يلمُ الجفافُ والقسوة بمشاعرنا. وعلينا أن نقتنعَ برأي سارتر، بأنَّ حياة الفرد مشروع لا يكتمل، لكن هذه الحقيقة لا تمنع غرائز النمو من الفعالية، إذا تمكنا من الإستمتاع باللحظة إلى أقصى درجة، ونظّفنا العقل من شوائب الأفكار السقيمة.

theme::common.loader_icon