القراءة المحترفة تؤدّي إلى الكتابة المبدعة
القراءة المحترفة تؤدّي إلى الكتابة المبدعة
كه يلان محمد
Wednesday, 25-Mar-2020 06:11

تعود جذور تصنيف الفنون والأعمال الأدبية إلى اليونانيين، وانتقل هذا التقليد من الإغريق إلى الثقافات الأخرى، وأصبحَ التصنيف موضع اهتمام الاشتغالات النقدية والمختصّين في تحديد النوع الأدبي. صحيح أنّ الجدل قد احتدَّ في الآونة الأخيرة بشأن مفهوم الجنس الأدبي بعدما تداخلت الأجناس والأنواع الأدبية، بحيثُ سادت الآراء التي تؤكدُ على ضرورة معالجة النصوص الأدبية بعيداً من التقييد بمحدّدات النوع.

 

 

هذا النقاش قد لا ينتهي قريباً ويبدو نخبوياً، فالبتالي لا يضيفُ كثيراً إلى من يتعامل مع النصوص الأدبية بوصفها قيمة جمالية معبّرة عن التجربة والهموم الإنسانية، والمفتاح الأساسي لإدراك مضمراتها هو التذوّق. أضفْ إلى ذلك، فإنَّ تحرر القارىء من صفة المستهلك ومبادرته لفتح حلقة النقاش مع صاحب الأثر الأدبي قد سحب من يد الناقد أوراق اللعبة. وإذا أراد استعادة بعضها فما عليه سوى متابعة العوامل التي تمكّنُ القارىء من التفطّن إلى المُناخ الثقافي والأدبي، ومن الواضح أنَّ قراءة الأعمال الروائية قد غَدت ظاهرة عالمية، ويأتي هذا التطور متزامناً مع تضخّم دور البيئات الإفتراضية على الرأي العام وتشكيل الذائقة الجماعية ونشوء مفهوم التجاورية في الخطابات.

 

 

الواقع الجديد

لا يمرُ كلّ ما سبق الإشارة إليه مروراً عابراً على الأمزجة ومستويات التلقّي للنصوص الأدبية، فإنّ تحوّل العالم الإفتراضي إلى بنية أساسية في الأعمال الأدبية من التَمظهرات البارزة للواقع الجديد، كما أنّ تَداول العناوين الأدبية والترشيحات للقراءة في المنتديات الإفتراضية إضافة إلى المحاولات الرامية لإنشاء مواقع خاصة لمناقشة تقنيات لكتابة هذه المعطيات، كلها تغذّي الرغبة التواصلية على الصعيد الأدبي والثقافي بين جمهور القرّاء من جهة وبين القارىء والمؤلف من جهة أخرى. ومن المعلوم أنّ معظم من يدرسونَ في ورشات كتابة الرواية هم الروائيون الذين يعتمدون على تراكم الخبرة والدراية في صنعة هذا الفن، وقد تحقق المشاركة في الورشات السردية رغبة القارىء بأن يصبحَ روائياً إذا تمكّن من توظيف ثقافته الأدبية في نَحت أسلوبه وغامَر بتأثيث عالمه منطلقاً من قدرة مخيّلته التي تعتبر عنصراً رئيسياً في النصوص الروائية المتميزة. ولولا الخيال يستحيل على الروائي سَد الثغرات في المواد التاريخية، كما تخسر الرواية المُستقاة موادها من الأحداث الراهنة قيمتها الأدبية من دون توفّر عنصر التخيُّل في بنائها.

 

لا شكّ في أنّ هناك عناوين يقعُ عليها اختيار المدرّبين في ورشات الكتابة لدراستها مع المشاركين. بموازاة تصاعد عدد قرّاء الرواية وتزايد الطلب على الأعمال الروائية وانضمام كثير من الكتّاب إلى مظلّة هذا الفن وافتتاح الورشات الخاصة بكتابة الرواية، وقد يكتسب المشاركون فيها معلومات عن تقنيات السرد ويدرسون ما يكسبهم الخبرة في تنظيم المواد وترتيب الحلقات السردية. هنا قد يتساءَل بعض المهتمّين الذين لا تتوافر لهم فرصة المشاركة في هذه الورشات ومحترفات الكتابة عن الأعمال التي تضيفُ قراءتها وعياً للمتابع على المستوى الفني، كما يحقّ للمتابع أن يتساءلَ عن مواصفات الرواية التي تصلح للقراءة في الورشات. هل تفيدُ ما سمّي بالروايات العالمية المبتدىء في مجال الكتابة؟ هل تعتبر الجوائز أو الشهرة مقياساً لتناول روايات معيّنة ضمن نشاطات ورشة الكتابة؟ هل يكون المتدرّب موضوعياً في تحديد جدول العناوين التي يدرسها مع المشاركين؟ بالطبع ما يَهمّ المشارك في هذه الدورات هو معرفة ترتيب المادة الروائية وشكل العمل. يقول الكاتب التركي أورهان باموك إنّ الروايات تكشفُ عمقها ومعناها عن طريق الأشكال والتقنيات التي تتألّف منها. إذاً، فإنّ ما يتأكد منه المتابعُ هو وَفرة المواد لكتابة الرواية ولن يعاني الروائي أزمة على مستوى الموضوع.

 

 

 

الأولوية

يتوقّف نجاح العمل الأدبي على العناصر المكوّنة للخطاب وترتيب المادة المَرويّة، وهذا ما يُحتّم قراءة الأعمال التي تستمدّ قيمتها من الشكل والصياغة وتوزيع المساحة. صحيح أنّ سجل الأدب العالمي يزخر بروايات رائعة، غير أنّ آلية تعاطي المبتدىء بكتابة العمل الروائي يجب أن تخدمَ رغبته لإنجاز العمل وتنمية لياقته وتذوّقه في رَسمِ ملامح الشخصيات والتحكّم ببنية الزمن، طبعاً إذا تمكّن المتابع من توظيف العنصر الأخير في بناء الحكاية فذلك يعني أنه قد كسبَ الرهان. ونحن نتحدث عن أولوية جدول العناوين بالنسبة لمَن يريد اختبار كتابة العمل الروائي، يمكنُ الإشارة إلى مجموعة من العناوين وفي نهاية المطاف لا يعدو كون هذه الترشيحات اجتهاداً قد يصيب أو يُخطىء.

 

 

 

أفضل الروايات

تتصدّرُ رواية «العاشرة والنصف ليلاً في الصيف» قائمة الروايات التي تفيد المبتدىء في كتابة الرواية، إذ تفوّقت مارغوريت دوراس على الصعيد الفني في كتابة روايتها، وتتّصِف حركة السرد بالرشاقة وتخلّص أسلوبها من تورّم الاسترجاعات التي تثقلُ بنية كثير من الروايات.

 

أضِف إلى ما سبق رواية «أب سينمائي» للكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا. تَكمن أهمية هذا العمل في بساطة الثيمة وبراعة تقطيع الحزمات السردية، وهذا ما يظهر دور الأسلوب في سكب التشويق على جسد النص. ولا تختلف رواية «راوية أفلام» لصاحبها «إيرنان ريبيرا لتيلير»، إذ يعالج الأخير ثيمات مختلفة بأسلوب رشيق يفيضُ متعة، ولا يكون المتلقّي مجرّد متابع لمحتويات القصّة إنما يتخايلُ الصور والمشاهد للأفلام التي تسردها «ماريا مرغريتا» على مسمع أهالي القرية. يؤكد مضمون هذا العمل حقيقة النظرة التي تفيد بأنَّ كل شيء عبارة عن مادة جاهزة لتحويلها إلى موضوع روائي. وفي هذا الإطار، لا يجوز عدم التنويه بتجربة الكاتب النمساوي «ستيفان زفايغ» وهو مِن صفّ المبدعين الذين يَتآنسُ القرّاء مع أعماله وذلك لوضوح خطّه وما يتضمّنهُ من التشويق والإنسيابية، هذا فضلاً عن أنّ ما يُقاربه صاحب «عالم الأمس» في رواياته لا ينفصل عن طوايا الإنسان وخباياه النفسية.

 

أمّا بالنسبة للكاتبة إيزابيل ألليندي فإنّ ما تتمّيز به على مستوى الأسلوب وتشكيلة العمل هو التكاملية عندما يتمُ الانتقال بسلاسة بين فصول أعمالها، وما يزيدُ من تماسك أعمالها هو حسن توظيف الشخصيات وتطريزها على قماشة السرد وتدرّج الحركة نحو النواة المبثوثة في فضاء النص. ما يحسبُ لصاحبة «باولا» هو وضوح البنية الزمنية في قصص الإطار. هنا يجبُ إضافة رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ نظراً لتصميم بنيتها ونحت خصائص الشخصيات ومستويات اللغة المتوافرة في هذا النص، كما تأخذ «ثرثرة فوق النيل» أهمية كبيرة لِما فيها من حسن توظيف لتقنية الحوار، لا سيما في المقاطع الأخيرة حيث تتشابَك الأفكار كما يتّصفُ أسلوب الكاتب الإيطالي «اليساندرو باريكو» بخفّة في السرد والتمكّن من إيجاد التواصل بين نصّه والتقنيات المسرحية والسينمائية. وهذا ما تراه بصورة أوضح في «1900» و»بلا دماء». عطفاً على كل ما ورد سلفاً، فالمطلوب من المتابع قراءة همنغواي لاكتساب الدراية بالجملة الحوارية والمشهدية والعبارات التلغرافية، وتنفتحُ اللائحة لرواية «جنود سالامينا» أيضاً، ويتبع خافير سيركاس أسلوب استقصاء المعلومات والتوثيق ويمرّرُ المتكلّم بالضمير الأول ذكرياته الشخصية وتجاربه في شريط السرد، وهنا يتجاور التاريخ والخبر والتخيُّل والسيرة. إذاً، لا يهمّ توصيف الأعمال الروائية بقاتلة أو عظيمة أو فروسية، بقدر ما أنّ ما هو ضروري هو متابعة الروايات المنفتحة على الفنون والأجناس الأدبية الأخرى.

 

 

وفي الأخير نقدّم وصفة خوان رولفو «صاحب بيدرو بارامو» كُن محترفاً في القراءة وهاوياً في الكتابة. ويقول بورخيس «ليفخر الآخرون بعدد الصفحات التي كتبوها، أمّا أنا فسأفتخر بعدد تلك التي قرأت».