نهاية الفردوس العلمي
نهاية الفردوس العلمي
كه يلان محمد
Tuesday, 24-Mar-2020 06:45

يُشار إلى عصر الحداثة بالتقدّم العلمي وما تراكم على هذا الصعيد من الإنجازات التي مَكّنت من الإنتقال بالإنسان نحو مرحلة جديدة، حيث انعتقَ من أسر مشروطيات الجغرافيا، كما تراجعت مخاطر الأوبئة التي كانت تحصد حياة آلالاف البشر. صحيح أنّ العلم هو سلاح ذو حدين، وقد تمّ بفضله تحقيق مكاسب مهمّة إذ يكفي في هذا السياق تذكر الإنطلاق نحو مدارات كونية خارج كوكب الأرض ناهيك عن التقدم على المستوى الإقتصادي والتجاري.

ساد الاعتقاد في العقد الأخير من القرن السابق أنّ الديموقراطية ستصبح نموذجاً عالمياً لأنظمة الحكم، وبذلك تُضَيّقُ الخناق على الحكومات الديكتاتورية والسلطات القمعية ويبدأ عهد الشفافية والإنفتاح، لكن ربّ قائل يعترضُ على مديح العلم مشيراً إلى ما أحدثهُ من كوارث نتيجة تضخم قوة الإنسان التدميرية. دعك من غياب الإنصاف في الإمتيازات التي يوفّرها التقدّم العلمي، وهذا ما يقودنا إلى موضوع أخلاقيات العلم التي كان يدعو إليها الفلاسفة والمفكّرون، إذ انّ عدم التواضع في الشأن العلمي لا تكون عاقبته سوى نتائج وخيمة.

 

هل أصبح العلم خرافة؟

 

وما يَفرضُ إعادة طرح هذا الموضوع من جديد هو انتشار فايروس كورونا «كوفيد 19»، وكَيل الإتهامات بين الصين وأميركا، إذ انّ كل طرف يتّهمُ الآخر بأنّه وراء إطلاق هذا الوباء الذي قد داهَم البشرية، ما يعني أنّ غريزة التدمير لا تختفي مع تطوّر الحضارة، وبهذا ثبتت صحة توقّع «فرويد» بأن تلجأ الدول إلى المناورات وتلبس أردية العلم.

 

وما يزيدُ من الواقع قتامة ليس ارتفاع عدد الضحايا وتحوّل المدن والعواصم إلى أمكنة مهجورة فحسب، بل التضارب في التصريحات بشأن إيجاد العلاج لهذا الخطر المُحدق بالبشرية، فأصبح التنافس فارغاً من القيَم بين القوتين المُتخاصمتين والشركات الطامحة لمزيد من الربح على حساب روح الإنسان، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال جوهري، هل أصبح العلمُ خرافة في سوق مزايدات السياسة؟ هل يريد الساسة بعد إشهار إفلاسهم الإعتماد على العلم لتدوير أنفسهم؟

 

لا شك في أنّ هذه الأزمة ستُلقي بظلالها الواجمة على جميع المجالات، في مقدّمتها السياسة، ومن ثمّ ستنشغل العقول بدور العلم في لعبة السياسة وبما ينجمُ عن ذلك من كوارث مناخية وإنسانية. لكن ما يهمُ الإلتفات إليه والعالم يعيشُ في لحظات حرجة هو شَطط العلم والوهم بأنّ ما وصلَ إليه الإنسان من التقدّم هو بمثابة حصن يحميه من المجهول. من أين يأتي هذا اليقين؟ طبعاً من العلم ولكن ما فائدة العلم إذا لم يخفّف من ألم المرضى والمصابين الذين فقدوا الإحساس بالزمن في الحجر الصحي؟ هل يمكن للعلم مُغالبة الخوف الساكن في الأعماق حيال الصمت المخيّم على محيطنا؟

 

يبدو أنّ وَقع الصدمة هو بمستوى الإيمان المُطلق بقوة الحضارة المعاصرة والقناعة التامة بمفهوم سيادة الإنسان. هنا، عندما يوصَد باب العلم الذي حلّ مكان الدين، لا بدّ من أن تفتّشَ عن عزائك لدى الفلاسفة والأدباء، طالما لا يقدّمُ الساسة سوى توصيات بالتحمّل والمطالبة بالاستعداد لأيام صعبة والتحصّن بالعزلة، والأمر سيستغرقُ وقتاً طويلاً قبل أن يكتشفَ العلماء حلّاً لهذا المرض القاتل. إذاً، لا يصحّ الاستغرابُ مما يحصل حتى لو طالَ زمن الأزمة «كم هو عابث وغريب عن العالم ذلك الذي يستغربُ أيّ شيء يجري في الحياة». وبالتالي، يجبُ تفسير هذا الواقع البائس باعتباره نتيجة أخطاء في فهم العلم.

 

اللجوء إلى الفلسفة

 

عندما وُضعَ العلمُ في مرتبة المعرفة بالوجود في كليته وشموله، كان حصيلة ذلك الاستسلامَ لخرافة علمية على حد قول «كارل ياسبرز»، وكأنَّ الأخير مقتنعُ بما قالهُ مواطنه «نيتشه» الذي اعتقد بأنَّ الفردوس العلمي ليس إلّا كذبة حتمية مثل نظيره من الفرادس الموهومة. إذاً ما يمرّ به الإنسان من الأزمات التي تقوّض أوهامه المتوحّشة ببريق العلم مرة وبالآيديولوجيا الخلاصية مرة أخرى، يحتّمُ التفكير في القيَم السائدة والإقرار بخطأ مفهوم السيادة، ولا يمكنُ إدراك أهمية قيمة التواضع إلا بعد المرور برواق الفلاسفة، فهم يقومون بمداواة الإنسان من المخاوف ويعيدون إليه الشعور بالإطمئنان، «مع السكينة والطمأنينة تضعُ الأشياء في اتّساقها» كما ورد في تعاليم «تاو»، وذلك ليس من خلال التمويه للحقائق الوجودية إنما بالتصالح مع الحياة ومعطياتها والتحرّر من الخوف الذي لا يقودك إلّا نحو مهلك العبودية التي تغذّي غرائز الانحطاط. وما تقدّمه لك الفلسفة فضلاً لِما سَلف ذكره هو إمكانية مساءلة الذات وفحص الآراء المُسبقة وهذا ما يسمّيه «سعيد ناشيد» بالعلاج الديكارتي عبر إفراغ سلّة التفاح لتمحيص ما هو مفيد عن غيره ممّا فسد، هذا في ما يتعلق بوظيفة الفلسفة.

 

دور الأدب

 

أمّا عن دور الأدب فتراه بوضوح في رغبة الجميع بتَصفّح الأعمال الأدبية كلما اشتدّت الأزمة، فهذا العالم المُتخايل يعوّض الإنسان من حرمانه للحركة في الواقع والاختلاط بالأصدقاء والأهل. إذ ما ان تفاقمت مشكلة كورونا حتى تصاعدت مبيعات الأعمال التي تتناول الكوارث وتسردُ حكاية المعاناة البشرية على مرّ التاريخ. وفي هذا المقام، من المناسب اقتباس كلام «إيريك إيمانويل شميت» حيث يقول في روايته «يرى من خلال الوجوه»: «يبدو لك الحاضر قوياً ومع ذلك ينكسرُ بأسهل من انكسار شعرة».

 

ونبقى بصحبة مؤلف «ليلة النار» الذي يعتبر أنّ الحياة مأساة فلنعشها كملهاة. أخيراً، إذا كان الإنسان يفضّل أي تفسير على حالة عدم وجود تفسير حسب رأي «نيتشه» فليكن تفسيرك للواقع فلسفياً، وليس المقصود بذلك هو تبخيس دور العلم لأنّ العلماء هم مقاتلون شجعان في معركة المصير، لكن كل ما في الأمر هو التفطّن لعدم الانجرار وراء العلم المسَيّس والسياسيين الذين سيسدلُ الستار على وجوههم قريباً. والعارفُ هو من رأى النهاية في البداية كما يقول الرومي.