كمال الرياحي: نحن في قلب الديستوبيا فماذا تنتظر مني أن أكتب؟
كمال الرياحي: نحن في قلب الديستوبيا فماذا تنتظر مني أن أكتب؟
كه يلان محمد
Friday, 14-Feb-2020 06:22
الرواية فضاء مفتوح بوجه جميع الخطابات. وبما أنّ هذا الفن يتجدّد بإستمرار مواكباً كل المعطيات الواقعية والإنسانية، ويتميّز بأجواء كرنفالية في تشكيلته، لذلك، فإنَّ النص الروائي يراوغُ المواضعات المسبقة على مستوى اللغة والآلية في تناول الظواهر السائدة في المجتمع، كما يتوقف الروائي عند ما هو موجودٌ، إنما يطمحُ إلى تخيّل شكل المستقبل. يشتغلُ الروائي التونسي كمال الرياحي على لعبة المباغتة في أعماله السردية، ضارباً باللغة التقليدية عرض الحائط، وتمكّن من نحت معجمه الخاص من خلال ما قدّمه. وآخر ما صدر له عمل روائي بعنوان «البيريتا يكسبُ دائماً». حول إشتغالاته السردية ومحتوى روايته الجديدة كان لنا حوار مع مؤلف «عشيقات النذل».

 

• عالم البيريتا مثخنُ بالتوحش والتدمير والفحش. هل تعتقدُ أنَّ ما يلهم بكتابة النصوص الإبداعية هو الشر كما قال ذلك توماس مان؟

 

- الشر كامن في ثلاثة أرباع كلمة بشر. ولا أعتقد أنّ ذلك مصادفة حتى لو كانت مصادفة. وتاريخ البشر هو تاريخ الشر وتاريخ التوحش منذ الخطيئة الأولى عبر تاريخ الأديان إلى راهننا اليوم مروراً بمقتل هابيل بيد أخيه الحميم. كل هذا يجعلنا نعيش الشر كواقع مستمر في صيرورة وليس كواقعة توقفت أو ظاهرة تتمدّد في زمن محدود. نحن في هذا العالم نواصل إبداع فنون الشر. والفنون والآداب لا يمكن لها إلّا أن تقول هذا الكائن الذي ابتلي به الكون، والمبدع فناناً كان أو أديباً، هو أيضا بشر ويحمل كل هذه الملامح . وسبق وقال جورج باتاي: «الأدب ليس بريئاً ويجب أن يعترف وأن يُحاكم أيضاً».

 

 

 

• يتقاطعُ «مناخ البيريتا» مع طقوس التيار السوريالي، بدءاً من العنوان الذي يذكّرك بمذكرات «أندريه بريتون» وصولاً إلى لغز الجثة المدفونة، التي تلعبُ دور محرك أساسي لأجزاء النص. لماذا هذا التوغل في اللامعقول والسوداوية والجنس الصريح؟

 

 - «المسدس ذو الشعر الأبيض» لأندريه بريتون، مجموعة شعرية، والشعر يتحّمل كل الاستعارات الممكنة والمستحيلة. ولا أخفي أنني مطّلع على تيارات أدبية مختلفة تتقاطع في عالم السوريالية والكافكاوية واللامعقول، الذي يسبق كل تلك التيارات الفنية والأدبية. والنص الأدبي يخلق نفسه من عوالمه الخاصة. وميولي إلى كتابة هذه الأجواء هي استناداً لواقعنا اليوم، هل هو واقع أقل سوريالية من أفكار هؤلاء الفنانين والأدباء. العالم يحكمه الآن مجانين والمجرمون، بدل الحكماء والدبلوماسيين. نحن في قلب الديستوبيا فماذا تنتظر مني أن أكتب؟

 

هل أكتب عن الحدائق المعلّقة في بابل وأنا أرى الجثث تتناثر أطرافها بفعل التفجيرات في بغداد؟ .أليس ما يجري منذ سنوات في بلداننا العربية من ظهور «داعش» وما ارتكبته من فظائع أكثر فظاعة من تخييل سلفادور دالي أو جورح باتاي أو اندريه بروتون؟ صحيح أننا لا نحاكي الواقع، لكن الكاتب أيضاً ابن بيئته وابن مخيال يتشكّل أساساً من أسئلة راهنه. لذلك أرى أنّ العنف هو المشترك الآن في العالم، وخيّرت مقاربته في أعمالي الروائية والسردية عامة. عنف متعدّد بأشكال متعدّدة ووجوه متعدّدة يطيح كل شيء، بالحميمي قبل الآخر البعيد. نحن في لحظة تدمير الذات يومياً وأكل النفس، بعد أن أجهزنا على أطرافنا. أنيابنا لو تراها في أحشائنا تمزّقها وتبحث عن تلك الروح المتبقية. نحن كائنات متوحشة الآن، لم يبق لها من فرائس تنهشها غير ذاتها. أما في ما يخصّ الجنس الصريح فليس هناك جنس صريح وآخر غير صريح.

 

الحياة الجنسية للكائن البشري جزء أساسي من حياته ومن هويته الانسانية. إذا سكتنا عنها فهذا يعني أننا قمعناها حتى في وعينا، وأجبرنا أنفسنا على الحياة المريضة. وهذا فعلاً ما ارتكبه الأدب أيضاً عندما حرم الكتاب الحديث عن الجنس في مرحلة من مراحل انحطاط الحضارات، ومنها الحضارة العربية الاسلامية. لذلك، استعادة هذا الجزء من حياتنا اليومية في الأدب ليس إلّا إعلان شفاء من ثقافة الكبت والاستبعاد والانكار التي عشناها.

 

وهنا نرى الكاتب الجريء والكاتب المخاتل للمؤسسات الأخلاقية والدينية وغيرها. المبدع ليس مواطناً عادياً. المبدع حالة وعي وانشقاق. وهو، به وبأعماله يُحدث ذلك التوازن النفسي للآخرين. فأن نصبح أمام كتّاب أوصياء، حتى على الحياة الخاصة والأجساد وحرّيتها، ويطالبونها بالتخفّي وينظرون إليها بازدراء، فهذا هو فائض من الانحطاط الثقافي الذي وصلت إليه الثقافة العربية المعاصرة، عبر سطوة المؤسسات القمعية التي تشكّل مفهوماً خاطئاً للدولة. دولة تنتج خاضعين لا يستطيعون حتى مدّ أيديهم إلى أجسادهم.

 

 

 

• عناوين نصوصك الروائية ويومياتك الصادرة عن منشورات المتوسط تصدمُ المتلقي بما تحملهُ من العنف. هل تريدُ بذلك إعلان الثورة على الذائقة التقليدية؟

 - الكتابة إن لم تكن ثورة فلا معنى لها. والعناوين جزء من العملية الابداعية نفسها. وإذا انخرطت في المكرّر ولم تعد نصوصك تُدهش بما في ذلك عناوينها، فلا سبب يدعوك لكي تنتج ذلك المنتوج أصلاً. المبدع عليه أن يجترح المعاني والنصوص والعلامات لا أن يكرّرها. وبهذا المعنى أتحدث عن الإبداع باعتباره ثورة. النص عليه أن يترك أثراً. أن يُربك مهما كانت بساطته. عنف الخطاب في العناوين جزء من عالم متكامل، فضاؤه الهامش وغير المرئي أو اللامفكر فيه، وأبطاله كذلك أبناء الهامش. وكل ذلك يتشكّل في نغمية مدروسة فنياً، واذا ظهر غير ذلك من مفارقة فهي أيضاً مدروسة لتعلن عن تلك المفارقة.

 

 

 

• يعتمدُ نص البيريتا على المستوى البنائي على الحوار والمشهدية والمدونة والسرد الهذياني، هذا إضافة إلى إنفتاحه على البيئة الإفتراضية. هل أردت بذلك إضفاء مزيد من التشويق إلى خطاب الرواية؟

 

- الرواية بالنسبة إليّ إن تنازلت عن التشويق فقد تنازلت عن أهم انتظاراتها. نحن نكتب الروايات بالأساس لكي تكون موضوع متعة، ثم تأتي المعرفة والموقف من العالم. وكل العلل اللاحقة لا يمكن أن تتحّقق إلّا عبر الوظيفة الأولى، وهي الامتاع الذي بدوره رهين التشويق عادة.

 

أما تلك الأمور التي ذكرتها، فهي خيارات فنية تطلبتها الرواية لتشييد خطابها. ومسألة الحوار مسألة مفصلية، لأننا إلى الآن ما زلنا نتعامل معه لا بصفته شكلاً من أشكال البناء السردي، بل باعتباره ترفاً وزائداً عن الحاجة. ولذلك لا يتعامل معه حتى النقاد بجدّية كبيرة ولا حتى القرّاء في العموم. فالقراء يحفظون العبارات الشعرية والبلاغية، والنقاد يحتفون السرد والوصف وغيره. أما حرفية الحوار وقدرة الكاتب على التماهي مع مخلوقاته لحظة كلامها، فهذا نادراً ما توقف عنده النقاد، بل يكون أحياناً جناية على النص، لأنهم ينسبونه إلى الكاتب ويحاسبونه على عنفه أو معجمه النابي مثلاً.

 

وهذا جهل كبير بالرواية باعتباره حقل الأسلبة والرطنات ومعاجم الطبقات، حسب الشخصيات وقدرة الكاتب في استدعاء تلك الرطنات والمعاجم وتوظيفها التوظيف الصحيح. والحوار واحد من المساحات التي تهبها الرواية لإظهار تلك القدرة. بدأت روايتي «البيريتا يكسب دائماً» بفصل حواري أشبه بسيناريو صحيح، وفي ذلك مجازفة كبيرة، لعلمي بوضعية التلقّي العربي اليوم. لكن المبدع إذا لم يكن مغامراً فعليه أن ينسحب. غامرت وأواصل المغامرة والكتابة المشهدية نتيجة وعيي ودراستي للسينما واهتمامي بها. ومشهديتي ليست مشهدية واقعية بل مشهدية أخرى يتعانق فيها السوريالي كما قلت والشعري والفلسفي والنفسي، لتشكّل مشهدية أخرى تساهم في نحت الصورة التي اخترتها لمقاربة العالم ديستوبيا.

 

 

 

• الإنتحار هو موضوع آخر في روايتك وتستعيدُ في هذا السياق شخصية ديفيد والاس الذي انتحرَ في عنفوان إبداعه. هل توافق نيتشه في وصفه للإنتحار بأنّه مصدر أفكار ممتعة؟

 

- في أعمالي الابداعية أنا أكتب تونس المعاصرة ضمن مشروع روائي متكامل بدأته سنة 2005 . والانتحار في لحظة تونسية أصبح شأناً يومياً في تونس بعيد 2011. حتى أنّ مناطق معينة من تونس عُرفت بانتحار الأطفال ثم تحولت إلى ظاهرة شبابية نتيجة ما حدث من صدمة للشباب بعد الثورة. كل ذلك كان يمكن أن يُقارب واقعياً، لكني أخذت الأمر إلى منطقة أخرى وافترضت واقعاً آخر، يعزّ فيه الانتحار. وتساءلت، ماذا لو لم نعد نسمع بأي انتحار، وأنّ البلد سقط في العجز عن الانتحار، وتحدثت عن كاتب عجز عن الانتحار مرات؟ وهنا جعلت الرواية تفكر في الظاهرة من وجهة نظر أخرى. أليس الانتحار هو موقف من العالم؟

 

فأن تلوح بنفسك على الوجوه وترفضك، هو لحظة وعي وحرية كبرى مهما كان شططها، وهي لحظة نضج كبير، ولا يعنينا إن كانت حالة سليمة أم مرضية. وهنا استدعيت شخصية ديفيد فوستر والاس الذي صدم العالم بانتحاره، وأعدت كتابة حياته وفق مخيال كاتب تونسي عاجز عن الانتحار. في بلد جرّده من كل شيء حتى من قدرته على التخلّص من نفسه. هذا جانب صغير من الرواية التي تداور ثقافة العنف في المجتمع التونسي، من الاغتيال السياسي الى الاغتيال النفسي.

 

 

 

• راهنَ السورياليون على الأحلام وانعكست أجواء الحلم في نصوصهم، كما يؤمنُ نيتشه بضرورة تدوين الأفكار التي نصادفها في الحلم قبل أن تحلّق بعيداً. ماذا عنك. أين أحلامك من نصوصك الإبداعية؟

 

- أنا أكثر الكتّاب كتابة لكوابيسهم. فالاحلام لا أكتبها لأني لم أحلم وانا نائم. ما نراه كوابيس. ومن هنا جاء تفطنك إلى السوريالية والكابوسية في كتابتي. ويمكنك أن تعثر على ذلك في المشرط عبر شخصية المخاخ آكل أمخاخ الأجيال. ويمكنك أن تجدها في الغوريلا، عند الراوي الذي يرى نفسه يقتل في الجبال ويضاجع نساء لا يعرفهن، وفي عشيقات النذل في شخصيات مختلفة، لعل كمال اليحياوي أهمهم. كما يمكنك أن تعثر على ذلك في يومياتي عبر الاستيهات واحد صفر للقتيل، وفي البيريتا، عبر مشاهد كثيرة لضابط الشرطة علي كلاب وكوابيس قطع قدميه، وغيرها من المشاهد التي لا تحصى.

 

لذلك إعتبرني أدوّن وأستغل تلك الكوابيس وأخلق بعضها واوزعها على شخصياتي حسب الظروف السردية التي توضع فيها، لأنّ الأهم هو متى تستغل هذا الكابوس بعينه لتلك الشخضية وتلك اللحظة بعينها. الاحلام والكوابيس بالنسبة اليّ في العملية الابداعية كممارسة الجنس بالنسبة للشخصيات، والأكل والشرب شأن يومي لا يمكن أن نغفل عنه. فنحن لسنا دائماً حالة وعي.

 

 

 

• يقولُ كولن ولسن بأنَّ الرواية لا تقتصرُ فوائدها على المتلقّي بل تساعد الكاتب في هضم تجربته الذاتية. هل ينطبقُ هذا الرأي على تجارب جميع الروائيين؟

 

 - عبر الرواية يحاول الكاتب أن يكتشف نفسه ويتعرف عليها. فنحن نموت دون أن نتعرف على ذواتنا كما يقول كونديرا. لكن التعرف والاكتشاف ليسا دائماً أمراً سعيداً. فالكثير ممن انتحروا، من همنغواي وفرجينيا وولف وميشيما وديفيد فوستر والاس وجون كيندي تول ... لا ندري هل نتيجة عدم عثورهم على ذواتهم فعلاً أم نتيجة اكتشافهم لذواتهم؟