«غرفة مثالية لرجل مريض» تغريدة ثكلى مبدعة
«غرفة مثالية لرجل مريض» تغريدة ثكلى مبدعة
نسرين بلوط
Monday, 13-Jan-2020 06:46
تحاكي الأديبة اليابانية يوكو أوغاوا في روايتها «غرفة مثالية لرجل مريض»، الحنين الماورائي للصراع المتمثّل بحبّ البقاء لمن نحب، والتمسّك بتلابيب الذكريات حتى تنسال بقبس من الرجاء، حين يدهم المرض على حين غرّة من نحب، ومن نشدّد على بقائهم في حياتنا، فنجفل في تبرير الحدث، أو إيجاد الحلول، أو التهرّب من النهاية المحتمة.

بطلة الرواية والراوية بمونولوغٍ صوتي ذاتي في الوقت نفسه، هي سكرتيرة تعمل في مركز البحوث لجراحة الجهاز الهضمي، تُفاجأ باتصال من أخيها الأصغر يخبرها فيه عزمه العودة إلى طوكيو لاصابته بمرضٍ عضال، ومناشداً إيّاها بأن تدبّر له موعداً في المركز الجامعي حيث تعمل، حتى يتابع علاجه مقيماً في غرفة في المستشفى هناك.

 

وصف بدقّة متناهية

 

شقًّ عليها تحمّل المصاب، ولكنّها تجلّدت مشبّهة جرحها بالدم الراكد الذي ولّد عِقَداً جرّاء تخثره، وتمضي معه عند وصوله لتنتهي من إتمام الإجراءات الروتينية في المستشفى، واصفة إيّاها بدقّة متناهية، وصولاً إلى غرفته الخاصة المعدّة لاستقباله، حيث تصفها بدقّة وإعجاب، فيرمز اللون الأبيض والأثاث النظيف فيها إلى جوٍّ من الحميميّة في نظرها، فرغم كون العناصر المتواجدة في الغرفة غير جديدة، إلّا أنّها تستعمل بروية ورفق وتحفّظ حسب تعبيرها، حتى تثني على الغطاء المشدود فوق السرير فيها فتقول: «تشكلّت عليه ثنيّات كأنّها غضون حفرتها الريح»، وهو تعبير مجازي يرمز إلى المبالغة في التوصيف حيث تحتشد مفردات الثورة والألم والزمهرير التي تتضمّنها كلمة «الريح» في الألم المتفجّر عميقاً في كيان الراوية، والسواد الزاحف على صدرها جرّاء تألّمها لعلّة أخيها، ولترقّبها الموت الذي يشبه فصل الخريف بدمويته العابثة.

 

تحتقن الذكريات في صدرها في صبابة دامية، حيث تذكر أباها الراحل، وأمّها التي قُتلت عندما كانت متواجدة صدفة في حادث سطوٍ على مصرف، وقد كانت تعاني من مرضٍ عقلي يدفعها إلى إهمال النظافة في منزلها عن غير وعي، حيث ترمي برتقالة في خزانة الملابس، أو تنسى تفاحة لتصبح مهترئة على سطح الغسالة، ولكنّ نهايتها التراجيدية كانت مريحة لمن حولها حسب وصف الكاتبة.

 

العقدة والمعاناة

 

وقد شكّلت المأساة التي عاشتها البطلة مع والدتها عقدة ذاتية لديها، حيث كانت تستعيدُ أشكال الجنون الذهني لأمها، والهاوي على رأسها كالمطرقة. وقد دفعتها تلك المعاناة إلى الزواج في سنٍّ مبكرة، وهجر المنزل، والإفتراق عن أخيها الأصغر والوحيد.

 

تمرّ البطلة بمغامرة عاطفية مع الطبيب المشرف على علاج أخيها الذي أعطته حرف «س»، رغم كونها متزوجة، فقد شعرت بالنقص العاطفي المداهم لروحها يفيض ألماً.

 

تعرجُ بطلة الرواية قليلاً على علاقتها الصامتة بزوجها، الذي يعود كلّ صباح في الثالثة فجراً من عمله لانشغاله الدائم في بحوثه في الجامعة حيث كان يعمل كأستاذ مساعد في كليّة العلوم، لم يكن ما يجمعهما له صلة بالوئام أو الطمأنينة، بل الوضع الإجباري الذي سعت إليه بقدميها عندما عزمت أن تتخلّص من حياتها الماضية.

 

يمرّ فصلا الربيع والصيف ويأتي الخريف ليشهد النهاية الموجعة لموت أخيها، الذي تقرّبت منه بكلّ جوارحها في فترة مرضه، وعزت حاجتها إليه لنقصٍ في الحنان، ولرغبةٍ في تعويض ما مرّ من الأيام دون تواصلها معه. بل توصّلت إلى فلسفة جديدة، وهو أنّ انتظار الموت يجعل الرغبة في الحياة أكثر إيلاماً، ويصنع بين القلوب جسراً من الود والتفاهم، لا يبلغ أواصره من كان مطمئنّاً لوتيرة العيش.

 

الموت بأناقة

 

تنتهي حياة أخيها الذي لم يبلغ الـ21 من عمره، والذي استقبل الموت بأناقة رغم وجعه، واقتصر طعامه على العنب فقط، ثم عاش على أكياس صمغٍ اصطناعي في ما تبقّى له من الأيام القليلة، وتبقى له ذكراه وذكرى «س» الطبيب المعالج له، والذي ودّت أن تكون في أحضانه كرجلٍ يتفهّمها كأنثى متألّمة لاحتضار أخيها الذي تبقّى له من الحياة أشهرٌ قليلة فقط، فقضت في حضنه الليلة ما قبل الأخيرة لرحيل أخيها في غرفة مهجورة في المركز الطبي، وغلالة الثلج تكتنف الكون خارج النافذة، في وحيٍ قادمٍ للعدم.

 

كرة الانفعال التي تشحن صدرها وتخنقها تُترجم في وصفٍ دراماتيكي للموت والحياة، في مقاربة ملموسة مثخنة بالجروح، تسطّر الوجع في قالبٍ من حبكة إجتماعية نفسية عاطفية، تكتبها يوكو أوغاوا بفضول أنثى وحنين أخت وحرمان زوجة، في إيقاع أنثوي للفصول.

 

يوكو أوغاوا، كاتبةٌ متمكّنة من طرق باب الرواية الغربية بقدمٍ ثابتة لا تخلط بين الحدث الأوّلي والنهائي والمبدّل، بل تلامس مدخل الرواية بالوضع النهائي للقصة دون أن تقوّض البناء الفني للهيكل الروائي المتماسك لعنصر التشويق، ثم تدخل باب السرد بإسهابٍ وثقة، تاركة للقارئ الإشراف على مخيلّتها من جبهة مثالية للتوقّع. ولا بدّ هنا من الإشادة بالترجمة لبسام حجار، والتي أتت مطابقة لتخوم السرد في الرواية.