"ما فيك تكون بلا موقف وبلا لون"..
اخبار مباشرة
ساسيليا دومط
Friday, 13-Dec-2019 06:45
نواجه في حياتنا اليومية أشخاصاً يشعروننا بأن لا لون لهم، نَصِفهم بالرماديين، يتموضعون في أنصاف الأمور، لا يوافقون فلاناً لكنهم لا يعترضون على علّان، والأكثر إزعاجاً هو وضوح غياب الميول العاطفية والانفعالات لدى هؤلاء، فيستفزّون الآخرين ببرودتهم.

«كتير بيستفزّني زميلي بالعمل لَمّا نكون عم نحكي عن الوضع العام بالبلد، إقتصادياً وسياسياً وأمنياً، لَمّا يقول»: «أنا مش مع حدا، بفضِّل روح إتسلى وإسهر على إنّي شوف الأخبار». تقول رندلى منفعلة ومتوترة، «ما نحنا مجبورين نعرف لأن كلو عم ينعكس عا حياتنا، عا لقمة عيشنا، عا مدارس ولادنا، عا شغلنا يللي مهددين نخسرو كل يوم بظل هالأزمة».

يَصف من لا موقف لهم أنفسهم بالحياديين، فنراهم لا علم لهم بالأحداث المحيطة، ولا بمجرياتها ومسبباتها. ففي لبنان مثلاً، يواجه جميع المواطنين استحقاقات مصيرية، ولا شك بأنّ الوضع الإقتصادي والإجتماعي على كف عفريت، والتدهور يطال الجميع من دون استثناء. وتسمع في هذه المعمعة شخصاً يقول: «أنا لا مع هيدا ولا هيداك»، وتتفاجأ بأنه لا يعرف شيئاً عن الظروف الراهنة، ولا عن «هيدا أو هيداك» من الزعماء والمراجع، ولا يكلّف نفسه بالإطلاع والمعرفة، ولا يبذل جهداً لتأمين مصلحته ومصلحة المحيطين به؛ ما يشير إلى فقدانه للقدرة على اتخاذ موقف معيّن وهروبه من حقائق الأمور.

قد يكون رمادياً من يسعى إلى إبراز التميز والذكاء في شخصه، عندما ينتج ذلك عن قرار مسبق، ومن الجيد أن نكون وسطيين عندما نسعى إلى حل مشكلة بين طرفين، فنبتعد بذلك عن التحيّز والتطرف ونسعى إلى تقريب وجهات النظر، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى الموضوعية وفهم حقائق الأمور وعدم التغاضي والنكران للأحداث، لكن حتى في هذه الحال يحتاج المصلح بين مختلفين إلى اتخاذ موقف والتعبير عنه، ما لا نجده عند هؤلاء الأشخاص.

ما الذي يميز الشخص الرمادي؟
يتميز الشخص الرمادي بالحيادية، وعدم القدرة على اتخاذ موقف، وبضعف الشخصية، والتبعية، والصمت وعدم التعبير، والهدوء والابتعاد عن الإنفعال، والرتابة والملل وتجنّب التغيير. ويتظاهر الشخص الرمادي بالأناقة، لكنّ حضوره باهت، وهو مستسلم، يهتم بمصالحه الخاصة، إعتمادي، جاهل للوقائع، بعيد عن المنطق والموضوعية.

لا نسعى في موضوعنا هذا إلى التشجيع على التطرف والإنفعال الشديد، بل إلى معرفة الحق من الباطل، إلى الوقوف إلى جانب الصح والنطق به، واتخاذ موقف واضح والتعبير عنه، بعد الإطلاع بوعي وإدراك. نتوجّه هنا إلى تحكيم الضمير وعدم تعمية الذات عن الواقع العام؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكننا في ظل الوضع الاقتصادي في البلاد، والتدهور على كافة الصعد، العيش وكأنّ الوضع بألف خير، بل علينا مراقبة وفهم ما يجري، تثقيف الذات لمعرفة مسببات ونتائج ما وصلنا إليه، كي نتمكن من الحكم على الأمور، فكل منّا مسؤول في موقعه عمّا آلت إليه حالة البلاد العامة، والخيارات والمواقف الواجب اتخاذها.

إنّ التعبير عن الرأي الخاص بموضوعية يعتبر ضرورة في هذه المرحلة، للتوجّه إلى اتخاذ القرارات والحلول المناسبة، لرفع الصوت وتحكيم الحق على الباطل، رفقاً بالأطفال والشباب والمسنّين، رفقاً بالوطن.

نسمع أصواتا من هنا وهناك تصرخ بأنها ليست مع السياسة والسياسيين، لكن ألا يلاحظ هؤلاء بأنّ السياسة متداخلة في كل الأمور في بلدنا؟ ألا تلعب السياسة والسياسيون دوراً في التوظيف؟ في الطبابة؟ في التجارة؟ في التعليم؟ في الدواء؟ في البنزين؟ وصولاً إلى ربطة الخبز؟

لا علاقة للوضع في لبنان الآن بالانتماء الحزبي والسياسي، ولا للتبعية المطلقة لزعيم أو توجّه معين، بل يعيش البلد مرحلة مصيرية، يواجه اهتراء على كافة المستويات، ويعلم الجميع أنّ الفساد نَخر عظامه إلى العمق، فآن الأوان كي يتخذ كل مواطن موقفاً ضميرياً، موضوعياً حقيقياً، لانتشال الوطن من الإنهيار. لا تتحمّل المرحلة ما يسمّيه البعض بالحيادية؛ يمكننا ألّا نتبع الزعماء، إلا أنه لا بد أن يَتشابه موقفنا مع موقف أحدهم، مع مجموعة معينة، لِما فيه خلاص الوطن في هذا الوضع الدقيق. فالساكت عن الحق شيطان أخرس.