المراهقة... و"عودة أوديب"!
اخبار مباشرة
د. أنطوان الشرتوني
Friday, 13-Dec-2019 06:43
كثيرٌ من الأمهات والأباء يستنكرون تصرفات أولادهم الذين يتحضّرون للمراهقة. فيصف الكثير منهم سلوكيات أطفالهم بالمبالغ بها وغير الناضجة. ومن هذه السلوكيات: الغيرة وتقليد الأب أو الأم حسب جنس الولد، ويعني ذلك، المراهق سيقلّد أبيه وسيغار منه وعلاقتهما ستصبح متوترة، والأمر نفسه عند المراهِقة التي ستغار من أمها وستحاول بشتى الطرق تقليدها. كل ذلك له تفسير نفسي وتحليلي. إنها «عودة أوديب».

عقدة «أوديب» التي يمرّ بها كل طفل ما بين عمر السنتين والنصف والست سنوات كحد أقصى، تعود في سن المراهقة «الباكرة»، أو ما قبل المراهقة، أي ما بين 9 و11 سنة.

«سيغموند فرويد»، أب التحليل النفسيّ، هو أوّلَ مَن تكلّم عَن «عقدة أوديب» وفَسّرها وحَلّلها. ومن خلال أبحاثه وملاحظاته ودراساته، لاحظ أنّ كل طفل خلال عمر السنتين والنصف والست سنوات يمرّ بنوع من الغيرة «القاتلة» من الوالد أو الوالدة (بحسب جنس الطفل). وخلال هذه المرحلة، يتمّ تقليد الأب أو الأم ويتمنى الطفل «أن يحلّ محلهما». وفي العام 1910 أقرّ «فرويد»َ بأنّ الطفل، وبشكل بسيط، يكنّ مشاعر الحبّ لأمّه ويشعر بالغيرة من والده، معتبراً أنّ «هذه المشاعر أمر شائع لدى جميع الأطفال» وعند الفتيات، الشيء نفسه ولكن تُسمّى هذه العقدة بعقدة «إلكترا».

وخلال مرحلة بداية المراهقة، تعاود «عقدة أوديب» مجرياها، حيث لا يتحمّل المراهق وجود الأب ولا تتحمّل المراهقة مرافقة الأم بسبب «الغيرة»، لذا يلجأ المراهق الى تقليد الأب وتقوم المراهقة بالسلوكيات نفسها للأم، وهذا ما يساعد في عملية تبادل الأدوار الإجتماعية في حياة المراهق المستقبلية.

ما هي «عودة أوديب»؟
قبل تفسير المرحلة النفسية لـ»عودة أوديب» يجب تفسير أولاً ما هي «عقدة أوديب». إنّ كلمة «عقدة» تعني في اللغة اللاتينيّة «مجموعة أمور غير متجانسة». أمّا «عقدة أوديب»، فهي عقدة خاصّة ببناء شخصيّة الإنسان، تَصفُ مراحل نموّ الطفل وتطوُّره نفسيّاً وجنسيّاً، وتساعد في ظهور «الأنا العُليا» المساهمة في احترام القوانين والأعراف، مَنعاً لارتكاب الجرائم والسرقات والمحرَّمات. ولكن كيف تظهر «عقدة أوديب»؟

أثناء حضوره مسرحيّة «أوديب الملك - سوفوكل» في أحَد مسارح برلين، لاحظَ أبا التحليل النفسي، «فرويد» تَعلُّق المشاهدين وصدمتهم بالقصّة التي تروي نبوءةً غريبة تتمثّل في أنّ «طفلاً سيقتل والدهُ ليتزوَّج والدته».

وبعدَ تحليله للقصّة، لاحظ فرويد أنّ كل طفل يشعر في طفولته بما شعر به «أوديب»: أي أنّهُ يُحبّ أمّه ويكره والده. وفي هذه الحال، يكون الطفل في سباق مع والده، ويُنافسه على حبّ والدته. وكل تلك المشاعر والسلوكيات هي طبيعية، ويجب أن يمرّ بها كل طفل صغير (سنتان ونصف وست سنوات كحد أقصى).

في المقابل، تتجلّى هذه الغيرة لدى الفتاة بما يُعرَف بـ»عقدة إلكترا»، حيث أنّها تكرهُ أمّها وتميل إلى حُبّ والدها. وقد سُمّيَت هذه العقدة بهذا الاسم، نسبةً إلى رواية إغريقية خَطّطت فيها امرأةٌ تُدعى إلكترا لِقَتل أمّها.

وهذه العقدة تظهر من جديد خلال مرحلة المراهقة (أو على عتبة المراهقة) ما بين سن 8 و11 سنة وستسمّى بـ»عودة أوديب». فخلال هذه المرحلة، السلوكيات نفسها التي ظهرت عند المراهقة خلال مرحلة «عقدة أوديب» ستظهر أيضاً خلال «عودة أوديب». وستساعد هذه المرحلة في إكتشاف المراهق صورة والدَيه النفسيّة والاجتماعيّة، ويُلاحظ مع الوقت أنّهما يؤدّيان دورَين مختلفين تماماً. وسيؤدي المراهق السلوكيات المناسبة حسب جنسه، أي سيقلّد سلوكيات الأب، أما الفتاة فستقلّد والدتها. كما يظهر خلال هذه المرحلة بعض التصرّفات العدوانية تجاه الاهل، خصوصاً الأهل من الجنس نفسه للمراهق. وفي هذه المرحلة، من المهم جداً تثبيت السلوكيات الإجتماعية وتأكيد العلاقات المناسبة ما بين المراهق والأهل.

الأهل خلال مرحلة «عودة أوديب»
تقوم مرحلة «عودة أوديب» على انجذاب المراهق إلى الجنس الآخَر من الأهل، والشعور بالحقد والكراهية والمنافسة تجاه الجنس نفسه من الأهل، بحسب جنس الطفل. ونُلاحظ خلال مرحلة «عودة أوديب» أنّ اهتمامَ المراهق بشكله الخارجي يزداد، كما يهتم بعلاقاته مع الجنس الآخر وطبعاً هذا طبيعي ومهم للتكوين الجنسي- العاطفي عند المراهق. ودور الأهل في هذا المضمار مهم جداً، فهما سيفهمان تصرفات ولدهما المراهق وسيحوطانه بالعاطفة وبالإنتباه وبالتفسيرات الأساسية. وفي الوقت نفسه يجب وضع «خطوط» حمر لا يمكن للمراهق أن يتجاوزها. ومن أهم تصرّفات الأهالي في هذا الخصوص:

- تفهّم تصرفات طفلهم الموجود على عتبة المراهقة.

- وضع قواعد في المعاملة والتفسير المستمر بشكل بسيط وخفيف وليس بشكل تأديبي لجميع التساؤلات التي يمكن أن يطرحها المراهق على أهله.

- تبادل الخبرات بين الأهل والشاب أو الشابة. ويجب أن يعي الأهل أنّ طفلهم يكبر، وهناك تغييرات فيزيولوجية ونفسية يعيشها أيضاً ويجب تقبّل ذلك.

- مصادقة المراهق والابتعاد عن المشاجرات. كما على الأهل أن يتعرفوا الى جميع أصدقاء المراهق الذين عادة يتأثر بهم كثيراً.

كما يجب أن يعرف الأهل أنّ هذه المرحلة لا تستمر لفترة طويلة، بل لعدة أشهر (وربما لسنة واحدة) إجمالاً. وتنتهي «عودة أوديب» عندَ تقمُّص المراهق شخصيّة أحد والديه (عادة شخصية الأهل من نفس جنسه). وفي بعض الأحيان تمرّ تلك المرحلة مرور الكرام، من دون أية مشكلات تُذكر.