الإحتفاء بالهامش وتسليط الضوء على التعتيم الثقافي
اخبار مباشرة
كه يلان محمد
Wednesday, 11-Dec-2019 06:47
إرتبط مفهوم الأدب بالعمل النخبوي، وكان وسيلة للاكتساب لدى بعض المشتغلين في هذا المجال، إذ دبجَ كثير من الأُدباء الوصف والمديح لأصحاب النفوذ متوسّلين من وراء ذلك إكراميات مادية أو مناصب سياسية. في المقابل ظلَّ من خالف هذا السلوك النفعي منبوذاً ولم يلتفت إليه المؤرّخون ولا النقّاد، حيثُ تصدّرَ أدباء البلاط واجهة المشهد الثقافي، وذلك ما كرس انفصال الأدب عن هموم وتطلعات العامة.

ولا تزالُ ترسبات هذه العقلية الإصطفائية فاعلة في الحياة الثقافية والأكاديمية كما يرى البعضُ بأن من حق الأديب أن يكونَ معتكفاً في برجه العاجي مُنقطعاً عن نبض الشارع ومنكباً على عالمه الخاص لكن هذه الأصوات النخبوية أصبحت خافتة بفعل تلاشي منطق الثنائيات خصوصاً بعد قيام الثورة الرقمية حيث توفرت المنابر للمنسيين والمهمشين والمنزوين في القاع.

عليه فإن معاناة هؤلاء قد غدت مادة أساسية للأعمال الأدبية وإنفتح المُعجم الروائي والشعري على الكلمات والمفردات المتداولة في البيئات المُهمشة بخشونتها المعبرة عن حياة عارية من المُبهرجات الأمر الذي فتح قوس النقاش حول إرهاصات الواقعية القذرة في النصوص الأدبية وما يدعمُ هذا التيار هو الاهتمام بالهامش على الصعيد النقدي والجهود الرامية للإبانة عن جذوره وتمثلاته في الخطاب الأدبي المُعاصر وما يتميز به النصوص السابحة في فضاءات مهمشة من نزوع إلى السخرية ومُشاكسة الأعراف الأدبية السائدة.

ومن المعلوم بأنَّ الدراسات الأكاديمية نادراً ما تهتمُ بما أنجزه أدباء الهامش ومردُّ ذلك هو المسلك الوظيفي الذي يطبع النشاط الأكاديمي حيث غاب الغرض المعرفي ولم يعد الاشتغال على البنيات المعرفية العميقة هدفاً لما يقدمُ في أروقة المؤسسات الجامعية بقدر أنَّ ما يشدُ الاهتمام هو الجانب الوظيفي.

لذا فإن ما يتراكم من المواد البحثية على الرفوف لا يضيفُ شيئاً إلى الوسط الثقافي ولا يكون عاملاً للحراك الفكري لكن ما أنجزته الأكاديمية التونسية إبتسام الوسلاتي في دراسته الموسومة «الهامشية في الأدب التونسي» يعدُّ إستثناءً على عدة مستويات إذ إنبرت الباحثة لرصد تجربة جماعة تحت السور وإستعادة أعمال الأدباء الذين كان دورهم ريادياً في النهوض بالثقافة التونسية بجميع أشكالها وهذا ما يُكسبُ الكتاب أهميةً سواء بالنسبة الى المُتخصّص أو المتابع للحركات الثقافية.

الإشكالية

قد يثيرُ مفهوم الهامشية حفيظة النخبة، وفي ذلك تكمن إشكالية الموضوع، ومن الواضح بأن كثيراً من المثقفين لا يستوعبون المعطيات الجديدة التي غيرت المعادلة القائمة بين النخبة والعامة متوهمين وجود الأسيجية التي تضيّق الإهتمامات المعرفية في دائرة النخبة، لكن ما تتناوله إبتسام الوسلاتي في مؤلفها أضاء أبعاداً مضمرة في مفهوم الهامش وما يحمله المُصطلح من دلالات مُناهضة للتقليد والمألوف ومن ثُمَّ تتبعُ الوسلاتي مسيرة جماعة تحت السور ومكوّنات مشروعهم الثقافي إذ يفهمُ من محتويات الكتاب بأنَّ الهامشية هي موقفُ أو إحتجاج بوجه الإكراهات الإجتماعية والسياسية والثقافية ولا تنزلُ الهامشية ضمن التصنيفات الطبقية بل تتمثل لمفهوم الفئة أكثر، وإن تشابه ظروف الحياة لدى عدد من الأشخاص هو ما يؤسسُ لجماعة أو فئة معينة.

ومما تدرسه الكاتبة ُ في الفصل الأول هو الصراع والعلاقة المتوترة بين المهمش والمركّز، إذ يرفض الأول المرجعية المعيارية التي ينطلقُ منها التيار السائد لإقصاء المخالفين.

من هنا فإنَّ المهمّشَ يكتسبُ دوراً مهماً كونه فاعلاً يرفضُ النماذج المهيمنة. إضافة إلى ما سبق ذكره فإنَّ الكاتبة تهمّها الإشارة إلى ما يشوب مفهوم الهامش من الالتباس عندما تمّ الخلط بينه وبين المهمّش. وتعتقدُ إبتسام الوسلاتي بإنَّ إشتراك المُصطلحين في الإطار الإجتماعي ذاته لاينفي وجود الإختلاف في طبيعة الفعل الإجتماعي. طبعاً أن نشوء الفئة الهامشية يمكن فهمه على ضوء ما تمرُّ به المجتمعات من مراحل إنتقالية لا تخلو من الخلل في البنية الإقتصادية والإجتماعية حيثُ يخفق المركزُ في إحتواء الجميع، فبالتالي تتشكلُ حاضنة مناسبة لظهور جماعات جديدة.

الخلفية التاريخية

لا تدور فصول هذا الكتاب حول جماعة تحت السور وأعلامها فحسب بل تغطي الكاتبة المناخ الثقافي والإجتماعي لتونس في الحقبة التي سبقت ظهور هذه الجماعة إذ إنتشرت ما سمّيت بدكاكين المعرفة والنوادي والمقاهي الثقافية، كل ذلك كان بمثابة منطلق لحراكات ثقافية إذ تحوّلت قهوة «تحت السور» إلى مركز إجتماع لشرائح المجتمع.

وفي ظل هذه الأجواء تكوّنت جماعة تحت السور إذ إتفق أعضاؤها في الرؤية الفنية التي وجّهت سلوكهم وإبداعهم وجهة مخالفة لما كان سائداً وأعلنوا التمرد على القيم المتواضع عليها إجتماعياً من خلال تصرفاتهم المجانية ،وإقبالهم على الملذّات.على الرغم من العناصر المشتركة بين أفراد هذه الجماعة، لكن ذلك لا يعني محو الخصوصية بين الأدباء، وهذا ما أكدت عليه إبتسام الوسلاتي لافتةً إلى السمات المميزة في التجارب الفردية إضافة إلى ما يجمع بين هؤلاء من المبادئ المشتركة. لم تنحصر نشاطات هذه الجماعة على مجال معين بل أراد أدباؤها التجديد على مختلف المستويات الفنية والأدبية والفكرية كما بادروا إلى نقل النصوص الأجنبية إلى العربية مع الاهتمام بالأعمال والنتاجات الأدبية المترجمة بحيث تتخذُ طعماً محلياً.

عطفاً على ما سبق فإنَّ إيجاد لغة جديدة مطبوعة بالحسّ الشعبي دون أن تبتعدَ عن الفصحى كان عنصراً آخر من مشروع جماعة تحت السور وذلك يكشفُ عن إدراكهم العميق لهموم المرحلة. زد إلى ذلك محاولة هؤلاء الأدباء بلورة مفهوم التداخل الأجناسي. ويضمرُ هذا المسعى رغبة لنزع طابع نخبوي من بعض أشكال أدبية.

يذكر أن ما قدّمه علي الدوعاجي ومحمد العريبي وبيرم التونسي كان إضافة نوعية في الإبداع الفني والأدبي لاسيّما في مجال كتابة القصة والنصوص المسرحية كما لا يصح التغافل عن دورهم البارز في المنحى الصحافي، فأصدرت جماعة تحت السور جريدة السرور وهي المنبر الصحافي الأول الذي نشرت فيه القصة والزجل والملزومة والفكاهة غير أنَّ ما يلفت الانتباه أكثر هو مساعي جماعة تحت السور لتأسيس مرحلة جديدة في العمل المسرحي، إذ حققت المسرحيات التي كتبها عبد الرزاق كرباكة وعلي الدوعاجي نجاحاً ملحوظاً على الصعيد الجماهيري كما أنَّ ما أنجزهُ محمد العريبي في فن الشعر تكملة لمشروع الجماعة الريادية، وما تجبُ الإشارة إليه أنَّ إبتسام الوسلاتي سردتْ في سياق دراستها جانباً من حياة أدباء تحت السور كما حافظت على السلاسة والتشويق في أسلوب الكتابة، ويُصنف هذا المؤلف ضمن الدراسة الأنثروبولوجية والتاريخية والتوثيقية.