«الإعترافات» لربيع جابر.. حدودٌ تماسيّة للموت
«الإعترافات» لربيع جابر.. حدودٌ تماسيّة للموت
نسرين بلوط
جريدة الجمهورية
Tuesday, 05-Feb-2019 06:55
في مسحٍ سيكولوجي قبل أن يكون أيديولوجيّاً، يغزو الروائي ربيع جابر في روايته «الإعترافات» أسيار همومٍ تنشرها العواصف في هشيم الوطن الذي كان مؤطّر الوجه بل أسير التعصّب والتشويه الإنساني في فترةٍ هامّة من الحرب الأهلية عام 1975.

تبدأ الرواية بصدمةٍ كرنين فأسٍ ثاقبٍ لتأمّل القارئ، عندما يقول الكاتب عن لسان بطله «أبي كان يخطف الناس ويقتلهم».

تشويقٌ جارف
وهذا استخدامٌ جديد لعنصر التشويق الجارف في بداية رواية، بل في أوّلِ سطرٍ منها. التلاعب النفسي في جرف البصر نحو تكريس الرؤيا للمتلقّي لتحديد السببيّة لهذه العقدة التي انبثقت في مقدمة الحكاية، فنٌّ متطوّرٌ حديث لا يربك الحبكة ولكنه يصقل عناصرها ويشدّ من أزرها، خصوصاً بعد أن نتسلّق مع الحدث ذروة التبلور الدراماتيكي.

الحكاية دموية مأساوية، تدور حول عائلة مسيحية من لبنان، تفقد طفلها الصغير الذي ترافقنا صورتُه المعلّقة على حائط منزلهم طوال توالي الأحداث وتصاعدها، وتتكوّن من الأب وبناته وابنه ايليا، بعد أن يفقد ابنه الثاني الذي خطف وقتل نتيجة الصراع الطائفي الذي كان دائراً في ذلك الوقت. يتأجّج قصف الرعد للإنتقام في صدر الأب ويقرّر أن يحترف القتل على حدود التماس بين «الشرقية» و»الغربية» ليثأر لطفله، ويفني بيديه عائلات بأكملها، كما يفعل الطرف المقابل المعادي له، متناسياً أصله الطيّب، ولكنّه يبصر في إحدى المذابح التي باشر فيها طفلاً صغيراً يشبه ولدَه الذي قتل، فيصطحبه معه إلى المنزل بعد أن صفّى أهله بمساعدة أعوانه، ليربّيه ويستعيض به عن طفله المقتول ويطلق عليه اسم «مارون».

مشاعر متضاربة
يشبّ مارون، يكبر وتكبر معه تساؤلاتُه، يلحظ العيون الجاحظة التي ترمقه بامتعاض تارة، وبحنانٍ مبالغٍ به تارّة أخرى.

يخبره أخوه ايليا عن حقيقة والدهما الذي يقتل الناس انتقاماً لأخيه الصغير الذي خطفت روحه البريئة على حدود التماس. يشعر مارون أنه يلتمس العطف من أمّه العليلة التي تشمله بحنانٍ دافقٍ ولكنّه متردّد، وكأنّها تتخبّط مترنّحة بين الشفقة والقسوة، والحب والمقت. يغتاظ منهُ الجميع بغتة ومن دون سببٍ يُذكر، ويقصونه بعيداً من عالمهم العائلي الحميم ولا يلبث أن يشعرَ بندمهم عندما يعودون للتودّد إليه.

لم يلمّ بطل الرواية بحقيقة ماضيه إلّا بعد دخوله الجامعة، عندما مرض والده وأشرف على الموت، فيميط شقيقه إيليّا اللثام عن ماضيه الجريح، المؤلم، ليدركَ عندها سرّ إعراض اخوته عنه في الماضي، وتأرجحهم بين العطف عليه والنفور منه، إلّا أبوه الذي شمله دائماً بعطف خاص، وهو الوحيد الذي لم تظهر عليه عوارض النفور منه.

يغتاظ من نفسه وعلى نفسه، يحاول أن يبتلع الصدمة بارتياعٍ شديد، باحتقانٍ دامس الترداد لصدى الحقد، والغضب على ذاته وعلى الآخرين.. يستيمت في أن يبحث عن جذور أصله، أو يلتمس أيّ لمحة عابرة تعرّف عن مجهولٍ متلفّعٍ بدثار الغشاوة، تراوده الخيبة عن نفسه فيسبح بعيداً في ملكوت صمتٍ مخيف.

نزاع على الفراغ
يُنهي جابر روايته بما فحواه أنّ بطل روايته قد تجاوز محنته أو على الأقل تناساها، وتخرّج من الجامعة وأصبح شخصية هامة في مجال عمله، ولكنه لم يتزوّج، ربّما تنازعته فكرة الإنتماء، إن أنجب الأطفال فإلى أيّ عائلة سينتمون؟ مَن هي جدتهم أو جدّهم؟ ماذا سيكون دينُهم الحقيقي؟

ربيع جابر تناول فترة سياسية هامّة من تاريخ لبنان، حيث تصارعت قوى الخير والشر في نفوس اللبنانييّن، فسحقت الكثير من الفضائل من الأرواح، فاستحال الطيّبُ مجرماً، وتدثّرت أرضه بالضباب فشُجّت عروق أشجاره وصفّقت للريح الدعجاء التي اعتنقت ظلام الجهل والطائفية السوداء.

في تعبيرٍ مهم في الرواية يظهر مدى الحقد الذي كان يرشح من أفكار ضحايا الطائفية في لبنان، عندما سأل مارون أستاذ اللغة الإنكليزية في المدرسة ماذا يوجد وراء المتاريس في بيروت الغربية؟ فأجابه الأستاذ: «Beasts and Monsters»، أي حيوانات ووحوش. هذا التعصّب بين الطرفين من دون استثناءِ طرفٍ معيّن، خلق الكثير من الفجوات وخصف نيران الشرّ على مساحات الوطن، فتعرّى من الإنسانية وكان بمثابة حراب مسنّنة تغتال النفوس قبل الأجساد، ولم يستيقظ اللبنانيون من آتونها قبل وقتٍ طويل، عندما أدركوا أنّهم كانوا يتنازعون على الفراغ والعدم وأنّ أيادي كثيرة تلاعبت بالوطن وبأبنائه.

theme::common.loader_icon